وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره الله في قوله: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} [الكهف: 28] فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيام ، وقد أخرج هذا المعنى مبيناً مكملاً ابن ماجه في سننه"عن خَبّاب في قول الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي} إلى قوله: {فَتَكُونَ مِنَ الظالمين} قال: جاء الأقرعُ بن حابِس التميميّ وعُيينة بن حِصْن الفَزَاريّ فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صُهَيب وبِلال وعَمّار وخَبّاب ، قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين ؛ فلما رأوهم حَوْل النبي صلى الله عليه وسلم حَقَروهم ؛ فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تَعرفُ لنا به العرب فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبُد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت ؛ قال:"نعم"قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً ؛ قال: فدعا بصحيفة ودعا عليّاً رضي الله عنه ليكتب ونحن قعود في ناحية ؛ فنزل جبريل عليه السَّلام فقال: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين} ثم ذكر الأقرع بن حابِس وعُيَيْنة بن حِصْن ؛ فقال: {وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين} [الأنعام: 53] ثم قال: {وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة} [الأنعام: 54] قال: فدنونا منه حتى وضعنا رُكَبنا"