وقال أبو علي الفارسي: ( {لَا يُكَذِّبُونَكَ} ؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة، ولذلك سمي الأمين، {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} بألسنتهم ما يعلمونه يقينًا؛ لعنادهم وما يؤثرونه من ترك الانقياد للحق، وقد قال جل وعز في صفة قوم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} ) [النمل: 14] .
ونحو هذا قال ابن الأنباري، وهذا الذي ذكرنا مذهب الجمهور في هذه الآية.
وقال الضحاك: ( {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} (لا يقدرون على أن تكون رسولاً، ولا على أن لا يكون القرآن قرآنا، وإنما يكذبونك بألسنتهم) ، فعلى هذا معن {لَا يُكَذِّبُونَكَ} لا يستطيعون أن يجعلوك كذابًا، وحرر أبو بكر هذا القول فقال: معناه فإنهم لا يصححون عليك كذابًا، إذا كان الذي يظهر منك يدل الناس على صدقك، وإن كذبوا كمن لم يكذب، ألا ترى أنك تقول لمن يقول ولا يجيد القول: لم يقل هذا اليوم شيئًا، لما لم يُجد كأن قوله كلا قول).
وقال غيره ما يؤكد هذا المعنى، فقال: معناه: ( {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} بحجة، أي: فلا يعتد بتكذيبهم، فإنه لا حقيقة له) .
واختلف القراء في قوله: {يُكَذِّبُونَكَ} فقرؤوا مشددًا ومخففًا. قال الفراء: (معنى التخفيف - والله أعلم -: لا يجعلونك كذابًا , ولكن يقولون: إن ما جئت به باطل؛ لأنهم لم يجربوا عليه كذبًا فيكذبوه، وإنما أكذبوه، أي: قالوا: إن ما جئت به كذب. قال: والتكذيب أن يقال: كذبت) .
وقال الزجاج: (معنى كذبته: قلت له: كذبت، ومعنى أكذبته: أريت أن ما أتى به كذب. قال: ومعنى التخفيف: لا يقدرون أن يقولوا لك كذبت) .
وكان الكسائي يقرأ بالتخفيف ويحتج: (بأن العرب تقول: كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وإلى صنعة الأباطيل من القول، وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب ليس هو الصانع له) ، حكاه ابن الأنباري عنه.