يدل على هذا ما قال مقاتل: (نزلت في الحارث بن عامر، كان يكذب النبي - صلى الله عليه وسلم - في العلانية، فإذا خلا مع أهله قال: ما محمد من أهل الكذب نعلم أن الذي يقوله حق، ولا يمنعنا من أن نتبعه إلا المخافة من أن يتخطفنا الناس من أرضنا - يعني: العرب - فإنا أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم؛ فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} في العلانية أنك كذاب ومفترٍ {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} في السر يعلمون أنك صادق، وقد جربوا منك الصدق فيما مضى، {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} بالقرآن بعد المعرفة) . ونحو هذا قال الكلبي سواء.
وقال السدي وأبو ميسرة
وأبو يزيد المدني وناجية بن كعب: (نزلت الآية في أبي جهل قال: يا محمد ما نكذبك ولا نتهمك وإنك عندنا لمصدق، ولكنا نكذب ما جئتنا به، ولا نكون تبعًا لعبد مناف، فأنزل الله هذه الآية) .
وقال قتادة: (يعلمون أنك رسول، ولكن يجحدون) .
وقال ابن جريج: (لا يكذبونك بما تقول، ولكن يجحدون بآيات الله) .
وقال عطاء: (لا يكذبونك، ولكن جحدوا ربوبيتي وقدرتي وسلطاني) .
ومعنى الجحد: إنكار المعرفة. وهو ضد الإقرار. كانوا قبل عرفوا ذلك ولم يقروا، وهذا مذهب هؤلاء المفسرين وعليه أكثر أهل المعاني.
وذكر الزجاج وجهين يوافقان هذا التفسير الذي ذكرناه: (أحدهما {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} بقلوبهم، أي: يعلمون أنك صادق، وإنما جحدوا براهين الله جل وعز، قال: وجائز أن يكون {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} أي: أنت عندهم صدوق؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسمى فيهم الأمين قبل الرسالة، ولكنهم جحدوا بألسنتهم ما تشهد قلوبهم بكذبهم فيه) .