الَّذِينَ كَانُوا فِي مَرْتَبَةٍ مِنَ الْيَقِينِ وَالْإِذْعَانِ قَدْ صَدَّقَهَا الْعَمَلُ الَّذِي كَانَ مِنْهُ بَذْلُ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ فِي سَبِيلِ الْإِيمَانِ ، الَّذِينَ عَاتَبَهُمُ اللهُ وَوَبَّخَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْهَفْوَةِ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ بَعْضِهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ وَمَا يَأْتِي فِي هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الْآيَاتِ ، وَأَمَّا أُولَئِكَ الْكَافِرُونَ فَهُمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْإِيمَانِ ، وَأُقِيمَ لَهُمْ عَلَى الدَّعْوَةِ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ ، فَجَحَدُوا وَعَانَدُوا وَكَابَرُوا الْحَقَّ ، وَآثَرُوا مُقَارَعَةَ الدَّاعِي وَمَنِ اسْتَجَابَ لَهُ بِالسَّيْفِ ، وَقَعَدُوا لَهُ وَلَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، فَإِذَا نَظَرْنَا فِي شِرْكِ هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ ، وَفِي حَالِهِمْ مَعَ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ نَجِدُ أَنَّ شَأْنَهُمْ مَعَهُمْ كَشَأْنِ مَنْ يَرَى نُورَ الْحَقِّ مَعَ خَصْمِهِ فَيَحْمِلُهُ الْبَغْيُ وَالْعُدْوَانُ عَلَى مُجَاحَدَتِهِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ ، يَرْتَابُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَيَتَزَلْزَلُ ، فَإِذَا شَاهَدَ الَّذِينَ دَعَوْهُ ثَابِتِينَ مُطْمَئِنِّينَ يَعْظُمُ ارْتِيَابُهُ وَيَهَابُ خَصْمَهُ حَتَّى يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ رُعْبًا مِنْهُمْ . هَذَا هُوَ شَأْنُ الْكَافِرِينَ الْمُعَانِدِينَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ ، كَأَنَّهُ - تَعَالَى - يَقُولُ: هَذِهِ هِيَ الطَّبِيعَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ ، إِذَا قَاوَمُوا الْمُؤْمِنِينَ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَلَا تُبَالُوا بِقَوْلِ مَنْ يَدْعُوكُمْ إِلَى مُوَالَاتِهِمْ وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِمْ .