كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا وهم اليهود والنصارى مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق. وقيل: هم مبتدعو هذه الأمة ، وهم المشبهة والمجبرة والحشوية «1» وأشباههم يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ نصب بالظرف وهولهم ، أو بإضمار اذكر ، وقرئ:
تبيض وتسود ، بكسر حرف المضارعة. وتبياض وتسوادّ ، والبياض من النور ، والسواد من الظلمة ، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه ، وابيضت صحيفته وأشرقت ، وسعى النور بين يديه وبيمينه. ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده ، واسودّت صحيفته وأظلمت ، وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ باللَّه وبسعة رحمته من ظلمات الباطل وأهله أَكَفَرْتُمْ فيقال لهم: أكفرتم ، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم.
والظاهر أنهم أهل الكتاب. وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه. وعن عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار وتسودّ وجوه بنى قريظة والنضير. وقيل هم المرتدون. وقيل أهل البدع والأهواء ، وعن أبى أمامة: هم الخوارج ، ولما رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء. وخير قتلى تحت أديم السماء: الذين قتلهم هؤلاء ، فقال له أبو غالب: أشئ تقوله برأيك ، أم شيء سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. قال: بل سمعته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم غير مرة.
قال: فما شأنك دمعت عيناك ، قال: رحمة لهم ، كانوا من أهل الإسلام فكفروا. ثم قرأ هذه الآية ، ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيراً. فأعاذك اللَّه منهم «2» . وقيل هم جميع الكفار لإعراضهم عما أوجبه الإقرار حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ ففي نعمته وهي الثواب المخلد ، فإن قلت: كيف موقع قوله هُمْ فِيها خالِدُونَ بعد قوله: (فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ) ؟ قلت: موقع الاستئناف ، كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 108 إلى 109]
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)
(1) . قوله «وهم المشبهة والمجبرة والحشوية» إن أراد بهم أهل السنة ومن وافقهم كعادته ، فقد أفرط فِي التعصب للمعتزلة. (ع)
(2) . أخرجه الثعلبي فِي تفسيره من طريق عكرمة بن عمار عن شداد عن أبى أمامة هكذا. ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم. وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه ، وعبد الرزاق وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والطبراني كلهم من طريق أبى غالب. بتمامه. وله إسناد آخر أخرجه الطبراني من رواية شهر بن حوشب عن أبى أمامة.