ولكن مشيئة الله - سبحانه وتعالى - قد اقتضت أن تتفاوت العقول، وتتباين المدارك؛ مما يؤدي إلى تعدد الآراء والاجتهادات، وإن كان الخلاف من سنن الله الكونية كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119] .
إلا أن الإرادة الشرعية في الاتفاق والاتحاد كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103]
ويجب أن نعلم أن الخلاف الذي يقع بين الأمة ينقسم إلى قسمين:
الأول: اختلافٌ الأصل فيه حسن النية وعدم قصد الخلاف, ولكنه وقع عن تتبع وتحري للنصوص, فاجتهد فأخطأ, وهذا لا يكون في الأصول, ولكن في الفروع والجزئيات التي يسوغ فيها الاجتهاد والخلاف .... فهذا قد يعذر ما لم يكن أصل الخلاف الهوى والحيدة عن الدليل, أو لي النصوص بما لا يحتمل التأويل.
والثاني: اختلافٌ الأصل فيه الهوى وعدم إتباع الدليل' وإخراج النصوص على غير مجراها واستعمالها في غير مواضعها, والإتيان بفهم لم يسبق إليه أو جارى فيه أهل الأهواء على مختلف الزمان أو المكان, فهذا الذي يجب الإنكار عليه ورده إلى الحق والصواب لمن كانت له منعة, أو البعد والأعراض عنه مع التحذير وبيان مسالكه التي ساقه فيها الهوى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وربما البعض يخلط في الخلاف بين الصورتين وعمم الأمر على الطائفتين وهذا مخالف لنهج السلف رضي الله عنهم في التحذير من أهل الأهواء.