وقال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه، وقال جعفر الصادق لبعض إخوانه: أقلل من معرفة الناس وأنكر من عرفت منهم، وإن كان مائة صديق فاطرح تسعة وتسعين وكن من الواحد على حذر.
وقيل لبعض الولاة: كم لك صديق؟ فقال أما في حال الولاية فكثير، وأنشد:
الناس إخوان من دامت له نعم ... والويل للمرء إن زلّت به القدم
ولما نكب علي بن عيسى الوزير لم ينظر ببابه أحدا من أصحابه الذين كانوا يألفونه في ولايته، فلما ردت إليه الوزارة وقف أصحابه ببابه ثانيا فقال:
ما الناس إلّا مع الدنيا وصاحبها ... فكلما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
وقال آخر:
فما أكثر الأصحاب حين نعدّهم ... ولكنّهم في النائبات قليل
وقال البحتري:
إيّاك تغترّ أو تخدعك بارقة ... من ذي خداع يري بشرا وألطافا
فلو قلبت جميع الأرض قاطبة ... وسرت في الأرض أوساطا وأطرافا
لم تلق فيها صديقا صادقا أبدا ... ولا أخا يبذل الإنصاف إن صافى
وقال بعضهم في المعنى أيضا:
خليليّ جربت الزمان وأهله ... فما نالني منهم سوى الهمّ والعنا
وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد ... خليلا يوفيّ بالعهود ولا أنا
وقال آخر:
لما رأيت بني الزّمان وما بهم ... خلّ وفيّ للشدائد أصطفي
فعلمت أنّ المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
بيت مفرد:
وكلّ خليل ليس في الله ودّه ... فإنّي به في ودّه غير واثق
قال آخر:
إذا ما كنت متّخذا خليلا ... فلا تأمن خليلك أن يخونا
فإنّك لم يخنك أخ أمين ... ولكن قلّما تلقى أمينا
وقال آخر:
تحبّ عدوي ثم تزعم أنّني ... أودّك إن الرأي عنك لعازب
وليس أخي من ودّني بلسانه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدما ... ومالي له إن أعوزته النوائب
ولما غضب السلطان على الوزير ابن مقلة وأمر بقطع يده لما بلغه أنه زوّر عنه كتابا إلى أعدائه وعزله، لم يأت إليه أحد ممن كان يصحبه ولا توجع له، ثم إن السلطان ظهر له في بقية يومه أنه بريء مما نسب إليه فخلع عليه ورد إليه وظائفه، فأنشد يقول هذه الأبيات:
تحالف الناس والزمان ... فحيث كان الزمان كانوا
عاداني الدهر نصف يوم ... فانكشف النّاس لي وبانوا
يا أيّها المعرضون عنّا ... عودوا فقد عاد لي الزمان
ومثله في المعنى:
أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودّته وإن دعي استجابا