والمعنى: أنه يجب الحج على المستطيع من هذه الأمة، وفي هذا تعظيم للبيت أيما تعظيم، وما زال الناس من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلوات الله عليهما يحجون عملًا بسنة إبراهيم، جروا على هذا جيلًا بعد جيل، لم يمنعهم من ذلك شركهم، ولا عبادتهم للأوثان والأصنام، فهي آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم.
واستطاعة السبيل إلى الشيء إمكان الوصول إليه، كما قال تعالى: {فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} وتختلف الاستطاعة باختلاف الأشخاص، واختلاف البعد عن البيت والقرب منه، وكل مكلف أدرى بنفسه في ذلك. وقد اختلف في تفسيرها، فقال بعضهم إنها القدرة على الزاد والراحلة مع أمن الطريق. وقال بعضهم: إنها صحة البدن، والقدرة على المشي. وقال آخرون: هي صحة البدن، وزوال الخوف من عدو أو سبع مع القدرة على المال الذي يشتري منه الزاد والراحلة وقضاء جميع الديون، والودائع، ودفع النفقة التي تكفي لمن تجب عليه نفقته حتى العودة من الحج.
وخلاصة ذلك: أنَّ هذا الإيجاب مشروط بالاستطاعة، وهي تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان.
{وَمَنْ كَفَرَ} : أي: ومن جحد، وأنكر كون هذا البيت أول بيت وضعه الله للعبادة، وأنكر ما فرضه الله من حجه، والتوجه إليه بالعبادة {فَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {غَنِيٌّ} ؛ أي: مستغنٍ {عَنِ} إيمانه وإيمان جميع {الْعَالَمِينَ} والخلق، وعن حجهم وعبادتهم.