ولا يلبس الفضل من الثياب وغيره من فراشه، وأهل دينه في بلده أو جواره ومحلته مار يحرقه الحر، أو يقطعه البرد فلا يكسوه، ولا يتبضع بالبضائع بالألوف، أو يركم البذر ويتصدى لضرير في جواره أو محلته أو من جملة قرائبه من يحتاج إلى درهم يصرفه في حاجته فلا يجده ولا يعطيه.
فإن كان يفعل هذا كله فلا عليه أن ينفق على نفسه أكثر مما يحتاج إليه، وكل من كان عنده فضل، فأنفق فضلاً فأكل لونين أو لبس ثوبين، واستخدم عبدين وافترش فراش جاريتين ويبني دارين، وركب دابتين، أو زاد، فهذا على وجهين:
أحدهما: أن يكون غرضه إظهار فضل الله تعالى عليه ليخرج به من حكم الكافر المتنبه بالمنكر والجاحد، وهذا أحسن.
إلا إن إظهار ذلك بالمواساة أولا أحسن.
والآخر: أن يكون غرضه المباهاة والمكاثرة والبغي والمفاخرة، فهذا حرام عليه.
ويخشى أن يكون أدنى ما يعاقبه الله تعالى أن يعطيه ما أتاه، ويقطع عنه ما أعطاه فينبغي لمن أشفق من ذلك أن لا يغفله.
ومن أعظم فوائد نعم الله تعالى الاستدلال بها على المنعم، فإن فيها الدليل عليه وعلى قدرته وعلمه وحكمته ووحدانيته.
وقد نبه الله تعالى على ذلك في غير موضع في كتابه، ف الله تبارك وتعالى امتن علينا بأن جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة بعد أن أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً.
وقال في آية أخرى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} .
فالأول امتنان والآخر تنبيه واحتجاج.
فيحتمل أن يكون احتجاجاً على مشركي العرب الذين كانوا يعترفون بالله - عز وجل - ويصفون خلق أنفسهم إليه، ثم يتبنون مع ذلك له شريكاً، فأخبر عنهم أنهم إذا قيل لهم من يبدأ الخلق ثم يعيده، {مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ} ، قالوا: الله وإنهم إذا قيل لهم: من خلقكم؟ قالوا الله، ثم أمر نبيه - صلى الله عليه وسلّم - أن يقول لهم: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} باتفاق مني ومنكم {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} .
وأن يقول لهم: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} .