وقد ثبت بجميع ما كتبناه، وما عسى سهونا عنه، فلم نكتبه وجوب شكر الله تعالى على العباد لنعمه الكثيرة العظيمة السابغة لديهم، ولا شك أنها إذا كثرت وفاتها الإحصاء لم يتوصل إلى شكرها إلا بذكرها ودراستها وعرضها على القلوب عند رين الغفلة.
فإذا حصلت مذكورة فالشكر لها يختلف:
فمنها: اعتقاد أن الله - عز وجل - قد أنعم فأكثر وأجزل.
وكل ما بها من نعمه فمنه، لا من الكواكب، كما يقول بعض المبطلين.
وإن كلها فضل منه وامتنان، وإنا إن اجتهدنا لم نرد شكرها ولم نقدرها حق قدرها.
ومنها: الثناء على الله - عز وجل - وحمده، وإظهار ما في القلوب من حقوق هذه النعم باللسان، والجمع فيما بين الاعتقاد والاعتراف الذي يقتضيه تعظيمه، ولا تعظيم كالطاعة.
ومنها: أن يكون العبد مشفقاً في عامة أحواله من زوال نعم الله تعالى عنه، وجلا من مفارقتها إياه، مستعيذاً بالله تعالى من ذلك، سائلاً إياه متضرعاً إليه أن يديمها له ولا يزيلها عنه.
ومنها: أن ينفق مما آتاه في سبيل الله ويواسي منه أهل الحاجة، ويعمر المساجد والقناطير ولا يدع باباً من أبواب الخير إلا أتاه، وأظهر له من نفسه أثراً جميلاً فيه.
ومنها: أن لا يفخر بما أتاه الله على غيره، ولا يتبذخ ولا يتلصف ولا يزهو ولا يتكبر، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} .
وقد كتبنا ما يتصل بهذا المعنى في قصة قارون وقوله، في باب القدر.
ومنها: أن لا يكتم نعمة الله تعالى عليه، ما لم يعلم في ذلك احتياطاً لنفسه ويجتهد في أن يرى آثارها عليه، ويتحدث بها، مستنداً بنعمة الله مبيناً عليه، وبفضله قاصداً أن يشركه إخوانه من المسلمين في السرور بما يسره، ويعينوه على حمد الله تعالى وشكره، ويسألوه من أدامتها له ما سأله منها لنفسه بنفسه.
فأما على وجه الزهو والاعتلاء بها على من ليس في مثل حاله فلا.
وليس من إظهار أثر نعمة الله أن يستكثر من المآكل والمشارب والرباع والضياع والعبيد والإماء والخدم والدواب.
ولكن أن يرحم أهل الحاجة ولا يغفل عنهم، ولا يبيت شبعاناً وجاره جائع فلا يطعمه.
وكذلك من يعرفه بالحاجة، وإن لم يكن له جاراً.