قال أبو حيان:"وأقول: لا يحسن عَوْدُه إلا على الشفا ؛ لأن كينونتهم على الشفا هو أحد جزأي الإسناد ، فالضمير لا يعود إلا عليه ، وأما ذِكْرُ الحفرة ، فإنما جاءت على سبيل الإضافة إليها ، ألا ترى أنك إذا قلت: كان زَيْدٌ غلامَ جَعْفَر ، لم يكن جعفر محدِّثاً عنه ، وليس أحد جُزْأي الإسناد ، وكذا لو قلتَ: زيد ضرب غلامَ هند ، لم تُحَدِّث عن هند بشيء ، وإنما ذكرت جعفراً وهنداً ؛ تخصيصاً للمحدَّث عنه ، وأما ذكر:"النَّارِ"فإنما ذُكِرَ لتخصيص الحُفْرة ، وليست - أيضاً - أحد جزأي الإسناد ، وليست أيضاً محدَّثاً عنها ، فالإنقاذ من الشفا أبلغ من الإنقاذ من الحفرة من النار ؛ لأن الإنقاذ منه يستلزم من الحُفْرة ومن النار ، والإنقاذ منهما لا يستلزم الإنقاذ من الشفا ، فعَوْدُه على الشفا هو الظاهر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى".
قال الزجَّاج:"وقوله:"مِنْهَأ"الكناية راجعة إلى النار ، لا إلى الشَّفَا ؛ لأنَّ القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة".
وقال غيره:"الضمير عائد إلى الحُفْرَةِ ؛ ولما أنقذهم من الحُفْرَةِ فقد أنقذهم من شَفَا الحفرة ؛ لأن شفاها منها".
قال الواحديّ: على أنه يجوز أن يذكر المضاف إليه ، ثم تعود الكناية إلى المضاف إليه - دون المضاف ، كقول جرير: [الوافر]
أرَى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي... كَمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلاَلِ
كذلك قول العجاج: [الرجز]
طُولُ اللَّيَالِي أسْرَعَتْ فِي نَقْضِي... طَوَيْنَ طُولِي وَطَوَيْنَ عَرضِي
قال: وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه ، فإن مَرَّ السنين هو المسنون ، وكذلك شفا الحُفْرة من الحفرة ، فذكَّر الشَّفَا ، وعادت الكناية إلى الحفرة.