وأيضاً قال تعالى فِي سورة مريم {أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم} [مريم: 58] إلى قوله: {خروا سجداً} [مريم: 58] والسجدة لا بد لها من قبلة فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف . القول الثاني: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أول مسجد وضع للناس؟ فقال:"المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟ قال: أربعون سنة"وعن علي أن رجلاً قال له: هو أول بيت؟ قال: لا . قد كان قبله بيوت ، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً ، فيه الهدى والرحمة والبركة . واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأوّلية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس . ولا تأثير لأولية البناء فِي هذا المقصود ، وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولية أيضاً كما روينا آنفاً ، وفي سورة البقرة أيضاً من الأخبار والآثار . فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل ، والمهندس جبرائيل ، وبانية إبراهيم الخليل وتلميذة ابنه إسماعيل . ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات ، ومصعد الصلوات والطاعات ، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء ، ومنه قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي فِي كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع فِي سنة واحدة لكان غير كثير . وليس الموضع الذي يرمي إليه الجمرات مسيل ماء أو مهب رياح شديدة ، وقد جاء فِي الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت جمراته إلى السماء . ومنها أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة وتنحرف عنها ألبتة إذا وصلت إلى محاذاتها . ومنها أن الحيوانات المتضادة فِي الطبائع لا يؤذي بعضها بعضاً عنده كالكلاب والظباء ، ومنها أمن سكانها فلم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية ، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية ، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء فِي موضعها إن شاء العزيز ، ومنها أنه تعالى