وقال الأصم: لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد ، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم . وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب ، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب . ومعنى قوله: {من قبل أن تنزل التوراة} إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة ، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله لعيهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا} [النساء: 160] إلى آخر الآية . ثم إن القوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي إخباره عن الله تعالى فأمروا بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره ، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر إعجاز النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه ، فلهذا قال: {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك} الذي ظهر من الحجة الباهرة {فأولئك هم الظالمون} الواضعون الباطل فِي موضع الحق ، والكذب فِي مقام الصدق والعناد فِي محل الإنصاف . وأيضاً إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من أشياعهم {قل صدق الله} فِي جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً} وهي التي عليه محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه حتى تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم إلى تحريف كتاب الله لأغراضكم الفاسدة وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به {وما كان من المشركين} وفيه تنبيه على أن محمداً صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيم فِي الفروع لما ثبت أن الذي حكم صلى الله عليه وسلم بحله حكم إبراهيم بحله . وفي الأصول لأن محمداً وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعوان إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى ، خلاف اليهود والنصارى ، وخلاف عبدة الأوثان والكواكب .