وقد حجّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل حجَّ الفرض، وقد وقف بعرفة ولم يغيّر من شرع إبراهيم ما غيروا؛ حين كانت قريش تقف بالمَشْعَر الحرام ويقولون؛ نحن أهل الحرم فلا نخرج منه؛ ونحن الْحمْسُ.
حسب ما تقدّم بيانه فِي"البقرة".
قلت: من أغرب ما رأيته أن النبيّ صلى الله عليه وسلم حجّ قبل الهجرة مرتين وأن الفرض سقط عنه بذلك؛ لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له: {وَأَذِّن فِي الناس بالحج} [الحج: 27] .
قال الكيا الطبري: وهذا بعيد؛ فإنه ورد إذا فِي شرعه: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت} [آل عمران: 97] فلا بدّ من وجوبه عليه بحكم الخطاب فِي شرعه.
ولئن قيل: إنما خاطب من لم يحج، كان تحَكُّماً وتخصيصاً لا دليل عليه، ويلزم عليه ألاَّ يجب بهذا الخطاب على من حج على دِين إبراهيم، وهذا فِي غاية البعد. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 4 صـ 142 - 144}
فصل
قال الفخر:
في قوله {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً} وجوه
الأول: قال الزجاج: موضع {مِنْ} خفض على البدل من {الناس} والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت
الثاني: قال الفرّاء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطاً وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلاً فلله عليه حج البيت
الثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون {مِنْ} فِي موضع رفع على معنى الترجمة للناس، كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟ فقيل هم من استطاع إليه سبيلاً. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 8 صـ 133}