ويريد الله أن يضمن لذلك الكاتب أو الشهيد ما يبقى على مصلحته. ولذلك أخذت القوانين الوضعية من القرآن الكريم هذا المبدأ ، فهي إن استدعت شاهدا من مكان ليشهد فِي قضية فإنها تقوم له بالنفقة ذهابا وبالنفقة إيابا ، وإن اقتضى الأمر أن يبين فله حق المبيت وذلك حتى لا يضار ، وهو يؤدي الشهادة ، وحتى لا يتعطل الشاهد عن عمله أو يصرف من جيبه. ويريد الحق سبحانه وتعالى أيضا أن يضمن مصالح الجميع لا مصلحة جماعة على حساب جماعة. ويقول الحق فِي هذه"المضارة": وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم"أي وإن تفعلوا الضرر من هذا أو من ذاك فإنه فسوق بكم ، إنه سبحانه يحذر أن يقع الضرر من الكاتب أو الشهيد ، أو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد. ففعل الضرر فسوق ، أي خروج عن الطاعة."
والأصل فِي"الفسق"هو خروج الرطبة من قشرتها ، فالبلح حين يرطب تكون القشرة قد خلعت عن الأصل من البلحة ، فتخرج الثمرة من القشرة فيقال:"فسقت الرطبة". ومنها أخذ معنى الفسوق وهو الخروج عن طاعة الله فِي كل ما أمر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:"واتقوا الله"وعلمنا من قبل معنى كلمة"التقوى"حين يقول الله:"واتقوا الله"أو يقول سبحانه:"واتقوا النار""واتقوا يوم ترجعون فيه إلى الله"، وكل هذه المعاني مبنية على الوقاية من صفات جلال الله ، وجبروته ، وقهره ، وإذا قلنا:"اتقوا النار"فالنار من جنود صفات القهر لله ، فـ"اتقوا الله"هي بعينها"اتقوا النار"هي بعينها"اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله".