(فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) في هذا بيان لشهادة النساء مع الرجال، وهو أنه إذا لم يكن رجلان يشهدان، يقوم مقامهما رجل وامرأتان؛ والمعنى: فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان يشهدان. واشترط فيهما ما هو الشرط في كل شهادة، وهو أن يكونوا (مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَاءِ) أي
من الذين يرتضى قولهم ويقبل، أي من العدول الذين يمارسون الشهادة ويقولون الحق، ويقيمونها على وجهها الحق، ويشهدون ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين. والتعبير بقوله: (مِمَّن تَرْضَوْنَ) أدق في الدلالة على صدق الشهادة من العدالة؛ لأنَّ العدل قد يكون مرضيًا في دينه وخلقه ولكنه ممن يتأثرون بالمشاهد المؤثرة، فتخونهم ذاكرتهم في وقت الحاجة إليها، وقد يكون في الناس ذوو مروءات يمنعهم جاههم ومقامهم في الناس من أن يكذبوا، وإن كان منهم بعض العاصي.
(أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) هذا بيان العلة في أن المرأتين تقومان مقام الرجل؛ فالمعنى كانت المرأتان بدل رجل لتوقع أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى؛ فإن المرأة لقوة عاطفتها، وشدة انفعال نفسها بالحوادث، قد تتوهم ما لم تر، وهذا هو الضلال؛ فهو نسيان مع اعتقاد غير الواقع، أو ظن غير الواقع، وهذا النوع من الضلال يكثر في النساء والأطفال؛ فالحوادث تفعل في نفوس هؤلاء ما يجعلهم يتخيلون ما لم يقع واقعيا؛ ولهذا الضلال كان لابد أن يكون مع المرأة أخرى بحيث يتذاكران الحق فيما بينهما، وليس من المعقول أن يتحد الضلال؛ ولذلك كان من المقررات الفقهية أن الرجال تسمع شهاداتهم على انفراد بحيث يسمع كل شاهد منفردًا من غير أن يسمعه الآخرون من الشهود؛ أما المرأتان فتسمعان معًا، لتتذاكرا إن كان ضلال من إحداهما أو منهما بحيث تذكِّر كل واحدة الأخرى بما غاب عنها متوهمة سواه.