وعندي أن لفظ السلم بالكسر أو الفتح هو للمسالمة والصلح، وإطلاقه على الإسلام من حيث إن أحكام الدين الحنيف تتجه كلها نحو تحقيق السلام بين الناس، وتخليص القلوب من أدرانها، وتوجيه الناس نحو السلامة، والبعد بها عن مواقع الهلاك.
وما معنى السلم في الآية: أهو الإسلام، أم هو المسالمة والموادعة والصلح؟ اتجه بعض المفسرين من السلف والخلف إلى أن معنى السِّلم في الآية الإسلام؛ ومعنى كافة: مجتمعين، وتكون كافة حالا من الواو في"ادخلوا"أو تكون حالا من كلمة"السلم"، والمعنى على الأول: يَا أيُّهَا الذين آمنوا وصدق إيمانهم ادخلوا في الإسلام مجتمعين غير متفرقين ولا متنابذين، أي انقادوا لأحكامه
مجتمعين لَا يفرقكم إقليم ولا يحاجز بينكم جنس ولا لون، لأن وصف الإيمان جامعكم، وكلمة التوحيد رابطة بينكم؛ فإيمانكم يبعثكم إلى أن تكونوا طائعين منقادين للإسلام في اجتماع لَا افتراق معه، ويوجب عليكم أن قوحدوا كلمتكم.
والمعنى على أن كافة حال من"السلم": ادخلوا في الإسلام بكل شرائعه وأحكامه، فلا تأخذوا بحكم وتتركوا حكما، فلا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة، ولا تأخذوا بأحكام الزواج وتتركوا أحكام الربا، ولا تأخذوا بنظام الميراث وتتركوا أحكام الحدود وتعطلوها، وهكذا لَا يصح أن يؤخذ بعض الإسلام، ويترك بعضه، من فعل ذلك كان كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه، وكان كمن جعل أحكام القرآن عضين، فيفرق بينها بالطاعة والعصيان، والأخذ والترك، وأحكام الإسلام كل لا يقبل التجزئة، ومجموعها هداية العقول، وطب القلوب، وعلاج الأدواء الاجتماعية والشخصية، فمن أخذ ببعضها وترك الآخر، فقد فتح في قلبه للشيطان ثلمة ينفذ منها، وحيثما حل الشيطان في قلب زلت الأقدام، وحكمت الأوهام، فيطمس نور الهداية من قلبه، وتنحل عُرَى الإسلام في نفسه من بعد ذلك عروة عروة.