4 -وإذا كنا ذكرنا من قبل أن مقاطع القسم الأول مهدت لمعاني القسم الثاني.
فإن باستطاعتنا هنا أن نذكر أن مقطع إبراهيم عليه السلام، ومقطع القبلة، والمقطع الذي جاء فيه ذكر الصفا والمروة. كل ذلك قد وطأ لهذه الفقرة التى كانت بدايتها:
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. وإن البداية لتشعرنا وكأنها استمرار لحديث سابق.
5 -والمناسبة بين هذه الفقرة وما قبلها واضحة كوضوح المناسبة بين الحج والقتال. فالقتال يحتاج إلى بذل جهد ومال. والحج بذل جهد ومال. وتجد الصلة بين الحج والجهاد في كثير من النصوص من مثل: «ولكن أفضل الجهاد حج مبرور» .
أما محل هذه الفقرة في السياق الكبير فدقيقة جدا.
من المعلوم أن الإسلام أركان وبناء.
فالأركان: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. والبناء أحكام الإسلام. وتفصيل ذلك في أول كتابنا (الإسلام) .
وقد بدأت سورة البقرة بذكر أركان ثلاثة. الإيمان بالغيب، والصلاة، والإنفاق.
وذكرت أن القرآن هو الهدى للمتقين. فذكرت من الأركان، وذكرت الأصل في البناء.
وسارت السورة لتعمق هذا وهذا. وذكرت الصوم في بداية هذا المقطع كطريق للتقوى.
فزادت ركنا رابعا. وبنت عليه بعد ذلك قضايا في الأموال، والتصورات، والسلوك، والجهاد. ليأتي الركن الخامس في نفس القسم الذي ذكر فيه الصوم. ففي
جولة من السورة، ذكرت ثلاثة أركان، وبناء. وفي جولة أخرى ذكر ركنان، وبناء. ليتضح الإسلام كله شيئا فشيئا، ولتتضح التقوى شيئا فشيئا بطريق مدهش متشابك لا يشبه طرق البشر في الشرح والعرض؛ وبطريق مرب، لا يشبه طرق البشر في التربية. وذلك أن هذا الإسلام مشروح في الكتاب والسنة، وهو واسع كبير لم يترك شاردة ولا واردة إلا وقد بين حكم الله فيها. وما يطالب به كل مسلم من هذا الإسلام يختلف باختلاف استعداده ومسئولياته. والذي يطالب به كل مسلم هو أن يكون تقيا باطنا وظاهرا، حقيقة وسلوكا.