فإن قيل: فقد قال الله: {ومكروا ومكر الله} قيل: حقيقة المكر إظهار أمر يعتقد فيه الناظر إليه الجاهل بحقيقته اعتقادا ما يضل ما هو ، وكذلك الاحتيال والخديعة والسخرية ومن قصد بشيء من ذلك أمرا قبيحا ، فهو مذموم وأن قصد به فعلاً جميلاً فهو محمود ، فإذن يصح أن يمدح بذلك من يتحرى مقصدا حسنا ، ولهذا قال بعض العلماء: إن الله - عز وجل - يخدعنا عن النار كما يخدع الصبي أبوه عن المضار ، وفي هذه الآية دلالة أن من استهلك شيئا لغيره استهلك عليه مثله ، لكن مثله المستهلك قد يكون تارة حسية مكيلا كان أو موزونا أو معدودا ، وتارة قيمته ، وقوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} ، تنبيه أن توفيق الله يصحب المتقي ، وقد تقدم حقيقة (مع) والصحبة إذا استعملا فِي الباري تعالى...
قوله - عز وجل:
{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
الآية (195) - سورة البقرة.
الهلاك انتهاء الشيء فِي الفساد ، وله سمي الموت هلاكا ، وقيل للعذاب والخوف فِي الفقر والبخل وما يجري مجراها مما يؤدي إلى الهلاك هلاكا ، والمفازة مهلكة والتهلكة ما يؤدي إلى الهلاك ، وامرأة هلوك كأنها تتهالك فِي مشيها إشارة إلى نحو قول الشاعر:
مريضات أدبات التهادي كأنما ....
تخاف على أحشائها أن تقطعا
[وكني بالهلوك عن الفاجرة لتماثلها] والهالكي كان رجلاً حدادا من قبيلة هالك فسعت العرب كل حداد باسمه كما سمي كل بناء هاجريا ، وقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} ، قيل: معناه نحو تعلقت زيدا أو بزيد ، وقيل معناه: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك ، نحو قوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، وذلك بالتعرض لما يستوخم عاقبته جهلا به ، مثل الفراشة تأتي إذا رأت لهبا من السراج ، فتلقي نفسها فيه ، وتأولت الآية على وجهين بنظرين مختلفين..