إن قيل: كيف رخص فِي الاعتداء وهو ظلم وقد منع منه آنفا بقوله: (ولا تعتدوا) ، قيل: الاعتداء مجاورة الحد ، ومنه قيل:"عدا فلان طوره"، و"لا تعد طورك"، ثم استعير الاعتداء فِي الظلم من حيث
أنه تجاوز الحد الذي حده العقل أو الشرع ، والذي منع تجاوز ذلك ابتداء ، فقد أباح لمن اعتدى عليه جزاء ، فإذن: الاعتداء ضربان: اعتداء على سبيل الابتداء ، وهو ظلم ، وإياه عنى بقوله ولا (تعتدوا) واعتداء على سبيل الاعتداء ضربان اعتداء على سبيل القصاص وهو عدل وإياه عني ههنا ، ثم للمجازاة أيضا حد لا يحوز أن يتجاوزه ، وإياه عنى بقوله: (فمن اعتدى بعد ذلك) .
إن قيل: هل كان يجوز لو قيل: (من ظلمكم فاظلموهم) ؟ قيل: لا يجوز ذلك ، لأن الظلم إنما هو وضع الشيء فِي غير موضعه الذي يحق أن يوضع فيه ، وهذا فِي كل حال مذموم ، والاعتداء مجاوزة الحد المحدود ، وذلك لا يكون مذموما ، ومن قال من العرب:"من ظلمك فاظلمه"، فذلك منه انحراف وترخص فِي الظلم على عادتهم ، وكذا قول من قال:
ألا لا يجهلن أحد علينا ...
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فإن الجهل مذموم على كل حال ، ولا يكاد يرد لفظ الأمر به من حكيم ،