أي: صدقوا الله فِي إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم ، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله .
ثم قال: {وأولئك هُمُ المتقون} . أي هم الذين اتقوا عقاب الله ، فتجنبوا معاصيه ، ولم يتعدوا حدوده.
قوله: {يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} . إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
معناه: فرض عليكم القصاص فِي قتلاكم.
ف"كتب"بمعنى"فرض"، ومنه قوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال} [النساء: 77] أي: فرضته.
وقيل: كتب ذلك فِي اللوح المحفوظ.
ويكون"كَتَبَ"بمعنى"قَضَى". من قوله: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا} [التوبة: 51] ./ أي: قضى علينا.
ويكون"كتب"بمعنى جعل كقوله: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان} [المجادلة: 22] .
وكقوله: {فاكتبنا مَعَ الشاهدين} [آل عمران: 53] . و {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] .
ويكون"كَتَبَ"بمعنى"أَمَرَ"كقوله: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 21] .
والمعنى: فرض عليكم أن تقتصوا ممن قتل أولياءكم إن شئتم ذلك ، وليس
القصاص بفرض عليهم ، إنما هو مباح لهم ، وإن شاء الولي عفا وإن شاء أخذ الدية.
قال ابن عباس:"كان فِي بني إسرائيل القصاص ، ولم تكن فيهم الدية ، ثم بين تعالى كيف القصاص ، فقال: {الحر/ بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} ، أي: يقتل هذا بهذا."
ولا يقتل حر فِي عبد عند مالك والشافعي.
وهذه الآية عند ابن عباس/ منسوخة بقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس} [المادة: 45] ، لأن آية البقرة توجب ألا تقتل امرأة قتلت رجلاً ، ولا رجل قتل امرأة ، ولا عبد قتل حراً ، وآية المائدة توجب قتل النفس بالنفس ، فيلزم منها يقتل الحر بالعبد . لكن فيها تخصيص.