إذن فصدق إيمانك متوقف على أن تكون حركة حياتك مناسبة لمقتضيات إيمانك. فإن آمنت وأسلمت وجاءت حركة حياتك مناقضة لإعلان إسلامك، نقول: أنت غير صادق، ولكن إذا وجدت صفات الإيمان فِي إنسان نقول له: لقد صدقت فِي إيمانك، لأن حركة حياتك انسجمت مع واقعك الإيماني. وما أكثر الناس الذين يقولون ولا يفعلون، وهم منسوبون إلى الإسلام بالكلام. وما نتيجة صدق المؤمنين؟ يجيبنا الحق بوصفهم:"أولئك هم المتقون". وساعة تسمع كلمة"متقون"أو"اتقوا". فذلك يعني أنهم جعلوا وقاية بينهم وبين شيء ولا يطلب منك أن تجعل وقاية بينك وبين شيء إلا إن كنت لا تتحمل هذا الشيء. ومثل ذلك قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
(من الآية 6 سورة التحريم)
أي اجعلوا بينكم وبين النار حاجزا. وقلنا: إن من العجب أن كلمة"اتقوا"تأتي إلى الشيء الذي هو"اتقوا النار"وتأتي إلى"اتقوا الله"، كيف يكون التقوى فِي متناقضين؟ نعم: لأن معنى اتقوا النار، أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية، وهل النار فاعلة بذاتها أم بتسليط الله لها على العاصي؟ إنها فاعلة بتسليط الله لها على العاصي. إذن اتقوا الله معناها اتقوا متعلق صفات الجلال من الله، لأن الله صفات جمال وصفات جلال فاجعلوا بينكم وبين صفات الجلال من الله وقاية، لأنكم لا تتحملون غضب الله، ولا قهر الله، ولا بطش الله، فاجعلوا بينكم وبين صفات جلاله وقاية، ومن آثار صفات جلاله النار. فالمسألة متساوية ولا تناقض فيها. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ 728 - 743}