والخلاصة:
من خلال النقول التي تقدمت عن النحاة واللغويين والمفسرين، بطلت هذه الشبهة ولم يبق لها أثر، فلا غرابة في وضع"من آمن"خبراً عن"البر"سواء أخذنا بتوجيه شيخ النحاة سيبويه؛ أن في الكلام حذف مضاف تقديره"ولكن البر بر من آمن"أو أخذنا بالتوجيه الذي أجاز وقوع المصدر موقع اسم الفاعل أو الفاعل .. فهذه كلها أساليب عربية فصيحة مستعملة، ومن شواهدها في القرآن كذلك قوله تعالى:"وأنت حل بهذا البلد"فوقع المصدر"حل"موقع اسم الفاعل"حالٌّ"أي مقيم بهذا البلد.
فإذا ولينا وجوهنا شطر البلاغة بعد النحو واللغة، والبلاغة أوسع خطى منهما، فإننا نلمح في التعبير القرآني"ولكن البر من آمن"معنى لطيفاً دقيقاً ذا مغزى كبير لأن"من آمن"يدل على ذوات تمكن الإيمان في قلوبها. فالإيمان"حالٌّ"في تلك القلوب، ولو كان قد قيل:"ولكن البر الإيمان"لكان هذا الإيمان مجرد فكرة لا محل لها، بل هي مفصولة عن الذوات. يعني إيمان نظرى لا عملى. وهذا ليس بسديد، لكن لما جعل هذا وصفاً للذوات المدلول عليها ب -"من"التحم الإيمان بالمؤمن، والمؤمن بالإيمان، فتحول إلى إيمان عملى متمكن في القلوب، في مقابلة الإيمان الشكلى الذي لم يرضه القرآن، وهو توجه الوجوه نحو المشرق والمغرب. وهذا ما ألمح إليه سيبويه من قبل. انتهى انتهى {شبهات المشككين، لمجموعة من علماء الأزهر الشريف} ...