لما ذكر الله في الآيتين السابقتين وعيد الكافرين، وختمه بأنهم خالدون في العذاب وأنهم لا يُخفف عنهم ولا يُنظرون، أتبعهما هذه الآية والتي تليها، ليرشدهم إلى توحيده - سبحانه - لعلهم ينقذون أنفسهم من هذا الوعيد الذي ينتظرهم، فهما مسوقتان لإثبات الألوهية لله - تعالى - وتفرده بها، وقد مرّ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ... } الآية. لإثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي كتموا شهادة الكتب السماوية بنبوته.
وسبب النزول على ما نقله الآلوسي:
عن ابن عباس - رضي الله عنه: أن كفار قريش قالوا: للنبي - صلى الله عليه وسلم: صف لنا ربك، فنزل قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ومع أن السبب خاص، فالخطاب عام لكل من يصلح للخطاب، والسائلون في جملتهم.
والمعنى: وإله البشر الذي يستحق العبادة، إله واحد، هو الله - تعالى - لا إله إلا هو بليغ الرحمة، فقد عمت رحمته في الدنيا المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وعمت رحمته في الآخرة، هل الإيمان: من وفَّى منهم، ومن قصر وتاب.
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ... } .
ومن كان كذلك: فلا يصح أن يُعبد معه سواه، فإن سواه مجرد من صفات الأُلوهية محتاج إلى الله - سبحانه وتعالى - في خلقه وتدبيره، كما أنه - عز وجل - لو كان معه إله آخرن لفسد العالم.
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا}
والتعبير بقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} بعد قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} لتقرير وحدانية الإله وتأكيدها. ونفى الشريك عنه نفيًا حاسمًا، باستعمال أسلوب القصر.
وبعد أن ذكر هذه الآية الناطقة بتوحيد المعبود، أتبعها ما يدل على ذلك فقال: