ثم يأتي المقسم عليه في الآية السادسة:"إن الإنسان لربه لكنود": عاص لله، كفور بإنعامه عليه.
وفى الآية السابعة إلماح إلى علم الإنسان بأنه عاق لربه، شهيد على كفرانه نعمته.
وفى الآية الثامنة تقبيح لمعصية الإنسان لربه، وإيثار حطام الدنيا على شكر المنعم.
أما الآيات الثلاث الأخيرة من (9) إلى (11) فهي إنذار للإنسان الكفور بنعم ربه إليه.
وهذه السمات، ليست وقفًا كلها على سورة"والعاديات"بل هي مع غيرها، سمات عامة للقرآن كله، وبهذا صار القرآن سهل الحفظ لمن حاوله وصدق في طلبه وسلك الطريق الحق الموصل إليه (3) .
إن الحفظ كان العلاقة الأولى بين المسلمين وبين كتاب ربهم وكان الحفظ له وسيلة واحدة ضرورية يعتمد عليها، هي السماع. وهكذا وصل إلينا القرآن، من بداية نزوله إلى نهايته.
وأول سماع في حفظ القرآن كان من جبريل عليه السلام الذي وصفه الله بالأمين.
وأول سامع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمع القرآن كله مرات من جبريل.
وثاني مُسَمِّع كان هو عليه الصلاة والسلام بعد سماعه القرآن من جبريل.
أما ثاني سامع للقرآن فهم كُتَّابُ الوحي، سمعوه من النبي عليه الصلاة والسلام فور سماعه القرآن من جبريل؛ لأنه كان إذا نزل الوحي، وفرغ من تلقى ما أنزله الله إليه دعا كُتَّابَ الوحي فأملى على مسامعهم ما نزل فيقومون بكتابته على الفور.
ثم يشيع عن طريق السماع لا الكتابة ما نزل من القرآن بين المؤمنين، إما من فم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من أفواه كتاب الوحي.
وقد يسَّر الله تعالى لحفظ القرآن واستمرار حفظه كما أنزله لله، أوثق الطرق وأعلاها قدرًا فكان صلى الله عليه وسلم يقرؤه على جبريل في كل عام مرة في شهر رمضان المعظم. ثم في العام الذي لقى فيه ربه تَمَّ عرض القرآن تلاوة على جبريل مرتين. زيادة في التثبت والتوثيق.
وفى هذه الفترة (فترة حياة النبي) لم يكن للقراء مرجع سوى المحفوظ في صدر النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الأصل الذي يُرجع إليه عند التنازع، أما ما كان مكتوبًا في الرقاع والورق فلم يكن مما يرجع إليه الناس، مع صحته وصوابه.
وكذلك في عهدى الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كان الاعتماد على الحفظ في الصدور هو المعول عليه دون الكتابة؛ لأنها كانت مفرقة، ولم تكن مجموعة.