وكانت حظوظ الصحابة، من حفظ القرآن متفاوتة، فكان منهم من يحفظ القدر اليسير، ومنهم من يحفظ القدر الكثير، ومنهم من يحفظ القرآن كله. وهم جمع كثيرون مات منهم في موقعة اليمامة في خلافة أبي بكر سبعون حافظًا للقرآن، وكانوا يسمون حفظة القرآن ب"القُرَّاء".
ولا يقدح في ذلك أن بعض الروايات تذهب إلى أن الذين حفظوا القرآن كله من الصحابة كانوا أربعة أو سبعة، وقد وردت بعض هذه الروايات في صحيحى البخارى ومسلم لأن ما ورد فيهما له توجيه خاص، هو أنهم حفظوا القرآن كله وعرضوا حفظهم على رسول الله تلاوة عليه فأقرهم على حفظهم، وليس معناه أنهم هم الوحيدون الذين حفظوا القرآن من الصحابة (4) .
أول جمع للقرآن الكريم
لم يجمع القرآن في مصحف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في صدر خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وكان حفظه كما أنزل الله في الصدور هو المتبع.
وفى هذه الأثناء كان القرآن مكتوبًا في رقاع متفرقًا. هذه الرقاع وغيرها التي كتب فيها القرآن إملاء من فم النبي صلى الله عليه وسلم، ظلت كما هي لم يطرأ عليها أي تغيير من أي نوع.
ولما قتل سبعون رجلاً من حُفَّاظِه دعت الحاجة إلى جمع ما كتب مفرقًا في مصحف واحد في منتصف خلافة أبي بكر باقتراح من عمر رضي الله عنهما.
وبعد وفاة أبي بكر تسلم المصحف عمر بن الخطاب، وبعد وفاته ظل المصحف في حوزة ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها (5) .
وفى هذه الفترة كان حفظ القرآن في الصدور هو المتبع كذلك.
وانضم إلى حُفَّاظه من الصحابة بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، التابعون من الطبقة الأولى، وكانت علاقتهم بكتاب الله هي الحفظ بتفاوت حظوظهم فيه قلة وكثرة، وحفظًا للقرآن كله، وممن اشتهر منهم بحفظ القرآن كله التابعى الكبير الحسن البصري رضي الله عنه وآخرون.
كان هذا أول جمع للقرآن، والذي تم فيه هو جمع الوثائق التي كتبها كتبة الوحي في حضرة رسول الله، بمعنى تنسيق وثائق كل سورة مرتبة آياتها على نسق نزولها، ولا معنى لهذا الجمع إلا ما ذكرناه، وإطلاق وصف المصحف عليه إطلاق مجازي صرف. والقصد منه أن يكون مرجعًا موثوقًا به عند اختلاف الحفاظ.
ومما يجب التنبيه إليه مرات أن الجمع في هذه المرحلة لم يضف شيئًا أو يحذفه من تلك الوثائق الخطية، التي تم تدوينها في حياة النبي عليه الصلاة والسلام إملاءً منه على كتبة وحيه الأمناء الصادقين.
مرحلة الجمع الثانية (6)