وتؤدي فواصل الآيات في القرآن دورًا مُهِمًّا في الإحساس بهذه الخصائص. ولنذكر لهذا"مثلاً"من سور القرآن الكريم:
بسم الله الرحمن الرحيم (والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحًا * فأثرن به نقعًا * فوسطن به جمعًا * إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بُعثر ما في القبور * وحُصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير) (1) .
عدد آيات هذه السورة [العاديات] إحدى عشرة آية، وقد وزعت من حيث الفواصل، وهي الكلمات الواقعة في نهايات الآيات، على أربعة محاور، هي: الثلاث الآيات الأولى، وكل فاصلة فيها تنتهي بحرف الحاء: ضبحا قدحا صبحا.
والآيتان الرابعة والخامسة، كل فاصلة فيهما انتهت بحرف العين: نقعا جَمْعا.
والآيات السادسة والسابعة والثامنة، انتهت فواصلها بحرف الدال: لكنود لشهيد لشديد.
أما الآيات التاسعة، والعاشرة، والحادية عشرة، فقد انتهت فواصلها بحرف الراء: القبور الصدور لخبير.
مع ملاحظة أن حروف الفواصل في هذه السورة ماعدا الآيات الثلاث الأولى مسبوقة بحرف"مد"هو"الواو"في:"لكنود"و"الياء"في:"لشهيد لشديد".
ثم"الواو"في: " القبور الصدور ثم"الياء"في: " لخبير"وحروف المد تساعد على"تطرية"الصوت وحلاوته في السمع. لذلك صاحبت حروف المد كلمات"الفواصل"في القرآن كله تقريبًا، وأضفت عليها طابعًا غنائيًا من طراز فريد (2) جذب الإسماع، وحرك المشاعر للإقبال على القرآن بشدة أسره إياهم عن طريق السماع، ليكون ذلك وسيلة للإقبال على فقه معانيه، ثم الإيمان به."
ومن سمات سهولة الحفظ في هذه السورة أمران:
أنها سورة قصيرة، حيث لم تتجاوز آياتها إحدى عشرة آية.
قصر آياتها، فمنها ما تألف من كلمتين، وهي الآيات الثلاث الأولى. ومنها ما تألف من ثلاث كلمات، وهي الآيتان الرابعة والخامسة. ومنها ما تألف من أربع كلمات، وهي الآيات: السادسة والسابعة والثامنة. وآيتان فحسب كلماتها خمس، وهما العاشرة والحادية عشرة. وآية واحدة كلماتها سبع، هي الآية التاسعة.
ونظام"عقد المعاني"في السورة رائع كروعة نظمها. فالآيات الثلاث الأولى قَسَمٌ جليل بِخَيْلِ المجاهدين في سبيل الله.
والآيتان الرابعة والخامسة استطراد مكمل لمعاني المقسم به، شدة إغارتها التي تثير غبار الأرض، وسرعة عَدْوِهٍَا ومفاجأتها العدوّ في الإغارة عليه.