يذكرون هذا كله ليصوروا أن الشبهة التي لوحظت في جمع المصحف الحاوى للقرآن الكريم، تزرع الشكوك والريوب (جمع ريب) في وحدة القرآن واستقراره وسلامته من التحريف. فعلام إذن يصر المسلمون على اتهام التوراة التي بيد اليهود الآن أنها لا تمثل حقيقة التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام؟ أو لماذا يطلقون هذا الوصف على مجموعة"الأناجيل": التي بيد النصارى الآن؟
الرد على هذه الشبهة:
إنًّ تأخير تدوين القرآن عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وجمعه في مصحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، لامساس له مطلقًا بوحدة القرآن وصلة كل كلمة بالوحي الإلهي؛ لأن القرآن قبل جمعه في مصاحف كان محفوظًا كما أنزله الله على خاتم المرسلين.
والعرب قبل الإسلام، وفي صدر الإسلام المبكر كانوا ذوى ملكات في الحفظ لم يماثلهم فيها شعب أو أمة، من قبلهم أو معاصرة لهم، ومن يعرف الكتابة والقراءة فيهم قليلون فكانوا يحفظون عن ظهر قلب ما يريدون حفظه من منثور الكلام ومنظومه.
وروعة نظم القرآن، ونقاء ألفاظه، وحلاوة جرسه، وشرف معانيه، هذه الخصائص والسمات فاجأت العرب بما لم يكونوا يعرفون، فوقع من أنفسهم موقع السحر في شدة تأثيره على العقول والمشاعر، فاشتد اهتمامهم به، وبخاصة الذين كانوا من السابقين إلى الإيمان به، وكانوا يترقبون كل جديد ينزل به الوحي الأمين، يجمعون بين حفظه والعمل به.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما نزل عليه شيء من الوحي يأمر كُتًّاب الوحي بكتابته فورًا، سماعًا من فمه الطاهر ثم ينشر ما نزل من الوحي بين الناس.
وقد ساعد على سهولة حفظه أمران:
الأول: نزوله (مُنَجَّمًا) أي مفرقًا على مدى ثلاث وعشرين سنة؛ لأنه لم ينزل دفعة واحدة كما كان الشأن في الوحي إلى الرسل السابقين.
والسبب في نزول القرآن مُفَرَّقًا هو ارتباطه بتربية الأمة، والترقي بها في مجال التربية طورًا بعد طور ومعالجة ما كان يجد من مشكلات الحياة، ومواكبة حركة بناء الدعوة من أول شعاع فيها إلى نهاية المطاف.
الثاني: خصائص النظم القرآني في صفاء مفرداته، وإحكام تراكيبه، والإيقاع الصوتى لأدائه متلوًّا باللسان، مسموعًا بالآذان، وما يصاحب ذلك من إمتاع وإقناع، كل ذلك أضفى على آيات القرآن خاصية الجذب إليه، والميل الشديد إلى الإقبال عليه، بحيث يجذب قارئه وسامعه واقعًا في أسره غير ملولٍ من طول الصحبة معه.