ثم بيّن سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من التناجي هو من جهة الشيطان ، فقال: {إِنَّمَا النجوى} يعني: بالإثم والعدوان ، ومعصية الرسول {مِنَ الشيطان} لا من غيره ، أي: من تزيينه وتسويله {لِيَحْزُنَ الذين ءامَنُواْ} أي: لأجل أن يوقعهم في الحزن بما يحصل لهم من التوهم أنها في مكيدة يكادون بها {وَلَيْسَ بِضَارّهِمْ شَيْئاً} أو ، وليس الشيطان ، أو التناجي الذي يزينه الشيطان بضارّ المؤمنين شيئًا من الضرر {إِلاَّ بِإِذْنِ الله} أي: بمشيئته ، وقيل: بعلمه {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} أي: يكلون أمرهم إليه ، ويفوّضونه في جميع شؤونهم ، ويستعيذون بالله من الشيطان ، ولا يبالون بما يزينه من النجوى.
وقد أخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، والبزار ، وابن المنذر ، والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب.
قال السيوطي بسندٍ جيد عن ابن عمر: إن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السام عليك ، يريدون بذلك شتمه ، ثم يقولون في أنفسهم: {لولا يعذبنا الله بما نقول} ، فنزلت هذه الآية: {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله} .
وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، والبخاري ، والترمذي وصححه عن أنس: أن يهودياً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: السام عليكم ، فردّ عليه القوم ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"هل تدرون ما قال هذا"؟ قالوا: الله أعلم ، سلم يا نبيّ الله ، قال:"لا ، ولكنه قال كذا ، وكذا ، ردّوه عليّ"فردّوه ، قال:"قلت: السام عليكم؟"قال: نعم ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم عند ذلك:"إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب ، فقولوا: عليك ، ما قلت"قال: {وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله} .