وقال المبرد: أصحاب الميمنة: أصحاب التقدّم ، وأصحاب المشأمة: أصحاب التأخر ، والعرب تقول: اجعلني في يمينك ، ولا تجعلني في شمالك ، أي: اجعلني من المتقدّمين ، ولا تجعلني من المتأخرين ، ومنه قول ابن الدمينة:
أبنيتي أفي يمنى يديك جعلتني... فأفرح أم صيرتني في شمالك
ثم ذكر سبحانه الصنف الثالث ، فقال: {والسابقون السابقون} والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم ، كما مرّ في القسمين الأوّلين ، كما تقول أنت أنت ، وزيد زيد ، والسابقون مبتدأ ، وخبره السابقون.
وفيه تأويلان أحدهما: أنه بمعنى السابقون هم الذين اشتهرت حالهم بذلك.
والثاني: أن متعلق السابقين مختلف ، والتقدير: والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة.
والأوّل أولى لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم قال الحسن ، وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كلامه.
وقال محمد بن كعب: إنهم الأنبياء.
وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين.
وقال مجاهد: هم الذين سبقوا إلى الجهاد ، وبه قال الضحاك.
وقال سعيد بن جبير: هم السابقون إلى التوبة وأعمال البرّ.
وقال الزجاج: المعنى: والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله.
قيل: ووجه تأخير هذا الصنف الثالث مع كونه أشرف من الصنفين الأوّلين هو أن يقترن به ما بعده ، وهو قوله: {أُوْلَئِكَ المقربون * فِي جنات النعيم} فالإشارة هي إليهم ، أي: المقرّبون إلى جزيل ثواب الله ، وعظيم كرامته ، أو الذين قربت درجاتهم ، وأعليت مراتبهم عند الله.
وقوله: {فِي جنات النعيم} متعلق بالمقربون ، أي: مقرّبون عند الله في جنات النعيم.
ويجوز أن يكون خبراً ثانياً لأولئك ، وأن يكون حالاً من الضمير في {المقربون} أي كائنين فيها.