قال: {وَمِزَاجُهُ} ؛ يعني: مزاج شراب الأبرار {مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [سورة المطففين: 27، 28] أي: يشربها المقرَّبون] صرفاً، وممزوجاً لأصحاب اليمين، فما طاب شراب الأبرار إلا بمزاج من شراب المقربين.
قال: فعبر عن جملة نعيم الجنان بالشراب، كما عبر عن العلوم والأعمال بالكتاب، فقال: {إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [سورة المطففين: 18] ، ثم قال: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} [سورة المطففين: 21] .
فما حسن عملهم، ولا صفت أعمالهم، ولا علا كتابهم إلا بشهادة المقربين لما قرب كتابهم منهم، وحضروه، كذلك كانوا في الدنيا تحسن علومهم بعلومهم، وترتفع أعمالهم بمشاهدتهم، ويجدون المزيد في مزيدهم بقربهم منهم. انتهى.
وفيه سياق الآيتين على نسق واحد.
والمعنى أنَّ الأبرار لما كانوا يأخذون في الدنيا بسبب من أنفاس المقربين، وحبل من أعمالهم، غير أنهم لم يستقيموا كاستقامتهم؛ إذ لم يخلوا من تخليط ما في أعمالهم، نفعهم هذا الاتصال بالمقربين يوم الدين، فشهدوا أعمالهم، وزكوهم عند الله تعالى، وكانت شهادتهم لهم شفاعة لهم، ثم كانت عاقبتهم أن مزج شرابهم بشرابهم، وطاب نعيمهم بمزاح نعيمهم، ولو أخلصوا في حبهم في دار الدنيا؛ أعني: المحبة الخاصة التي تنشأ عن التعارف، وتثمر التآلف، لألحقهم الله بهم في كل ما لهم بدليل الحديث المتقدم:"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"؛ فافهم!
ولقد سبق قول شيخ الإسلام الجد - رضي الله عنه - مقتبسا للحديث: من الخفيف
إِنْ تَكُنْ عَنْ مَقامِ الَّذِيْن اجْتَباهُمْ ... رَبُّهُمْ عاجِزاً وَتَطْلُبُ قُرْبا
حِبَّ مَوْلاكَ وَالَّذِيْن اجْتَباهُمْ ... تَبْقَ مَعْهُمْ فَالْمَرْءُ مَعْ مَنْ أَحَبَّا
ثم اعلم أنَّ عليين اسم لأعلى الجنة فيه كتب الأبرار، وفيه مساكن المقربين.
قال الله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} [سورة المطففين: 19 - 21] .