إنَّ الله اصطنع إلى أوليائه ثلاث خصال؛ لا يطمعهم من حيث يطمعون، ويشوش عليهم تدبيرهم لأنفسهم، ولا يظفر بهم عدوهم.
يريد عز وجل أن لا يرجو غيره، ولا يخافوا سواه؛ لأنه البار بهم، اللطيف الكريم.
والأولياء هم المقربون؛ لأنَّ أصل الولاية القرب، فإذا كان هذا عادة الله في المقربين، فعليهم أن يقطعوا الأطماع في سوى ما يرزقهم، ويدَعوا التدبير لأنفسهم، ويكلوا أمرهم إلى تدبيره لهم، وبذلك يتم قربهم، وتكمل ولايتهم، ولا يحققهم بذلك مثل علمهم بأنَّه أقرب إليهم من حبل الوريد، وأَعْلَم منهم بما يصلحهم؛ كما روى أبو نعيم عن وهب: أنه قرأ في بعض كتب الله: يا ابن آدم! ما أنصفتني؛ تذكر بي وتنساني، وتدعوا إلي وتفر مني، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم قد نزل إليك من أجلك، ولا يزال ملك لهم قد صعد إلي منك بعمل قبيح.
يا ابن آدم! إن أحب ما تكون إلي، وأقرب ما تكون مني إذا كنت راضياً بما قسمت لك، وأبغض ما تكون إلي، وأبعد ما تكون مني إذا
كنت] ساخطاً لاهياً عما قسمت لك.
يا ابن آدم! أطعني فيما أمرتك، ولا تعلمني بما يصلحك؛ إني عالم بخلقي، أنا أُكرم من أكرمني، وأهين من كان عليه أمري، لست بناظر في حق عبدي حتى ينظر العبد في حقي.
وقد روى ابن جهضم عن سهل قال: من نظر إلى الله قريباً منه بعد عن قلبه كل شيء سوى الله، ومن طلب مرضاته أرضاه الله، ومن أسلم قلبه تولى الله جوارحه.
وعن حال الرضا والتحقق فيه عبّر ذو النون المصري رحمه الله تعالى بقوله: من تقرب إلى الله بتلف نفسه، حفظ الله عليه عليه نفسه، كما رواه ابن جهضم، فعبر بتلف النفس عن محوها في مرضاة الله تعالى، وعدم الاعتداد] بها، والالتفات إلى ما تريد وتهوى، ومن ثمَّ كان الشهيد حياً عند الله تعالى مرزوقاً؛ لأنه أتلف نفسه في طلب رضى الله تعالى، وإنما يكون تلف النفس سبباً لحفظها إذا أتلفها صاحبها من حيث أُمر لا من حيث نهي، ألا ترى أنَّ الله تعالى يقول: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [سورة البقرة: 195] ، ويقول تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [سورة النساء: 29] ؟