وقد علمت مما سبق من التشبه بالمقربين تحصل بالاستقامة على أفعال البر، والسبق إلى الخيرات، وأعمال المقربين هي أعمال الأبرار، لكن مع المداومة والتكرار والاستقامة عليها في السر والإجهار.
وأفضل أعمال المقربين تأدية الفرائض، وهي لازمة للبر، إلا أنها تكون من المقرب أتم وأكمل، ثم يترقون في القربة على مقدار الترقي
في التقرب بالنوافل للحديث؛ فإنَّما كانت من أنواع البر.
غير أنَّ من لطائف أعمال المقربين كثرة السجود مع الفَناء في مشاهدة المعبود لقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [سورة العلق: 19] .
والحكمة في ذلك أن الصلاة محل المناجاة، وإنما يكون قرب المناجي على قدر تقربه، ولا يتقرب العبد إلى الله تعالى بشيء أبلغ من معرفته، وكلما عرف نفسه بالذل والضعة والافتقار عرف ربه بالعز والرفعة والغنى، ولا شيء في ضعة العبد لنفسه أبلغ من وضع جبهته - وهي من أشرف أعضائه - على الأرض.
وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِد؛ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ".
وروى ابن المبارك عن ضمرة بن حبيب رحمه الله تعالى مرسلاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِشَيْءٍ أَقْرَبَ مِن سُجُوْدٍ خَفِىٍّ".
وفي"مسند الشهاب"للقضاعي عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الصَّلاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ".
ومحل القربة من الصلاة السجود لما سبق.
ومن ثم أمر فيه بالدعاء؛ لأن الطلب يكون على قدر القربة.
وكذلك] قراءة القرآن؛ لأن القربة تابعة للمحبة، فالمقرب محبوب، والمحبوب محل المناجاة، ولا نجوى أحلى من كلام الحبيب.