وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الرَّافِعِ أَصْحَابَ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابَ الْمَشْأَمَةِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: خَبَرُ قَوْلِهِ: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} قَالَ: وَيَقُولُ زَيْدٌ: مَا زَيْدٌ، يُرِيدُ: زَيْدٌ شَدِيدٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: قَوْلُهُ: {مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} لَا تَكُونُ الْجُمْلَةُ خَبَرُهُ، وَلَكِنْ الثَّانِي عَائِدٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ تَعَجُّبٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا هُمْ، وَالْقَارِعَةُ مَا هِيَ، وَالْحَاقَّةَ مَا هِيَ؟ فَكَانَ الثَّانِي عَائِدٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَكَانَ تَعَجُّبًا، وَالتَّعَجُّبُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، وَلَوْ كَانَ اسْتِفْهَامًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِلِابْتِدَاءِ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَكُونُ خَبَرًا، وَالْخَبَرُ لَا يَكُونُ اسْتِفْهَامًا، وَالتَّعَجُّبُ يَكُونُ خَبَرًا، فَكَانَ خَبَرًا لِلِابْتِدَاءِ وَقَوْلُهُ: زَيْدٌ وَمَا زَيْدٌ، لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ كَلَامَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُ الْوَاوُ فِي خَبَرِ الِابْتِدَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا زَيْدٌ وَمَا هُوَ: أَيْ مَا أَشَدَّهُ وَمَا أَعْلَمَهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا لِلْقِبْلَتَيْنِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: «أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَأَسْرَعُهُمْ خُفُوقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .
وَالرَّفْعِ فِي السَّابِقِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مَرْفُوعًا بِالثَّانِي، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونِ، كَمَا يُقَالُ: السَّابِقُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِأُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يُقَرِّبُهُمُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ.
وَقَوْلُهُ: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
يَقُولُ: فِي بَسَاتِينِ النَّعِيمِ الدَّائِمِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَقَلِيلٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمُ الْآخِرُونَ، وَقِيلَ لَهُمُ الْآخِرُونَ: لِأَنَّهُمْ آخِرُ الْأُمَمِ.