أوقد ناراً في الليل، صار أضيافه من الجنّ. قول علماؤنا لما يقولون لفظه لفظ مفرد عندهم إسناد. أنت تستطيع أن تقول كما قال القرآن (من خاف) ولك أن تقول (من خافوا) لكن بيان القرآن وأسلوبه في استعماله لما يستعمل (من) لما يستعمله للجمع يراعي لفظه مرة ومعناه مرة، يقدّم مراعاة اللفظ على مراعاة المعنى (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر) يقول مفرد، (وما هم بمؤمنين) ما قال (وما هو) هذا السياق موجود في القرآن في مواطن كثيرة. لما يكون (من) يراد به الجمع يستعمل أولاً المفرد ثم بعد ذلك يأتي إلى الجمع. عندنا آيات أخرى: (ومن يطع الله والرسول) ومن يطع مفرد (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم) جمع، هذا السياق يراعي اللفظ ويراعي المعنى، يقدم مراعاة اللفظ على مراعاة المعنى. كان العرب يلاحظون هذا ويعجبون ويقفون إجلالاً لكلام الله سبحانه وتعالى عندما يسمعونه كهذا الذي سمع قوله تعالى (وأنذرتكم صاعقة) وضع يده على رأسه قال ستسقط على رأسي، كانوا يتحسسون هذا.
(ولمن خاف مقام ربه جنتان) الذي خاف مقام ربه من آدم - عليه السلام - إلى قيام الساعة هو جماعة وليس واجداً، الخائفون كُثُر، فإذن جنتان وجنتان وجنتان إذن تكون جنّات، لذلك نجد القرآن في موضع آخر صحيح هو قال (ذواتا أفنان، فيهما عينان تجريان) ثم قال (متكئين) لما جاء يتحدث عن الخائفين قال متكئين يعني هؤلاء الخائفون قال متكئين لم يقل متكيء، راعى المعنى هنا. فلما قال متكئين، المتكئون لا يكون لهم حوراء واحدة وإنما حور عين، لا يكون لهم قاصرة طرف وإنما قاصرات. فلما جاء لذكر النساء في يوم القيامة كان لا بد أن يجمع، لا تكون واحدة فقال (فيهن قاصرات الطرف) كأنه يمهّد لقاصرات الطرف ما قال (فيهما) في الجنتين لأنه قال (متكئين) إذن صارت جنات، قال متكئين إنتقل إلى صورة الجمع، إلى صورة جنات وجنات تقتضي (فيهن) حتى يلائم أيضاً قاصرات الطرف.
الموضع الثاني هو هو أيضاً (فيهن خيرات حسنات) ، إستمر يتكلم (ومن دونهما جنتان) لأن الجنة مراتب لذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: إسألوا الله الفردوس الأعلى لأنه يدعو يدعو فيسأل الله سبحانه وتعالى أعلى شيء لأنه يدعو ويسأل كريماً لكن الناس مراتب.