36 -ثم أكد هذا الإنكار، فذكر أن الشرائع التي يعرفونها على غير هذا، فقال: {أَمْ} منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام؛ أي: بل أهو جاهل {لَمْ يُنَبَّأْ} ؛ أي: لم يخبر {بِمَا في صُحُفِ مُوسَى} ، أي: أسفار التوراة. جمع صحيفة. وهي التي يكتب فيها،
37 - {وَإِبْرَاهِيمَ} معطوف على موسى؛ أي: وبما في صحف إبراهيم {الَّذِي وَفَّى} صفة لإبراهيم، أي: الذي وفر، وأكمل، وأتم ما ابتلي به من الكلمات، كما مر في سورة البقرة. قال المفسرون؛ أي: بلغ قومه ما أمر به، وأداه إليهم. وقيل: بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه؛ لأنّ التشديد يأتي للتكثير والمبالغة.
وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمل غيره كالصبر على نار نمرود، حتى إنه أتاه جبريل حين ألقي في النار، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. وعلى ذبح الولد، وعلى الهجرة، وعلى ترك أهله وولده بواد غير ذي زرع. ونعم ما قيل هنا: {وَفَّى} ببذل نفسه للنيران، وقلبه للرحمن، وولده للقربان، وماله للضيفان. وروي: أنه كان يمشي كل يوم فرسخًا يرتاد ضيفًا، فإن وجده أكرمه، وإلا نوى الصوم.
وروي:"ألا أخبركم لم سمى الله خليله {الَّذِي وَفَّى} ؟ كان يقول إذا أصبح، وأمسى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) } حتى يختم الآيتين". ذكره أحمد في"مسنده"الآيات الثلاث. وفي"عين المعاني": عن أبي ذرٍّ الغفاري - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله: كم من كتاب أنزل الله؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب. أنزل الله على آدم عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف. وأنزل الله التوراة، والإنجيل والزبور، والفرقان. قال: قلت: يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؛ قال:"كانت أمثالًا منها: أيّها الملك المبتلى المغرور إني لم أبعثك، فتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك كيلا ترد دعوة المظلوم، فإني لا أردها، وإن كانت من كافر"الحديث.
وإنما ذكر ما جاء في شريعتي هذين النبيين فحسب؛ لأن المشركين كانوا يدعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم، وأهل الكتاب كانوا يدعون أنهم متبعون ما في التوراة وصحفها قريبة العهد منهم.