بيانٌ لتضمن كفرِهم المذكورِ لكفرٍ آخرَ ، وتقريعٌ لهم بذلكَ وهو جعلُهم أكملَ العبادِ وأكرمَهم على الله عزَّ وجلَّ أنقصَهُم رأياً وأخسَّهُم صِنفاً. وقُرِىءَ عبيدُ الرحمنِ ، وقُرِىءَ عبد الرحمن على تمثيل زلفاهم ، وقرئ أُنُثاً وهُو جمعُ الجمعِ. {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} أي أحضرُوا خلقَ الله تعالى إيَّاهم فشاهدُوهم إناثاً حتى يحكموا بأنوثتِهم ، فإنَّ ذلكَ مما يُعلم بالمشاهدةِ ، وهو تجهيلٌ لهُم وتهكُّمٌ بهم. وقُرِىءَ أَأَشهِدُوا بهمزتينِ مفتوحةٍ ومضمومةٍ وآأُشهدوا بألفٍ بنيهُما. {سَتُكْتَبُ شهادتهم} هذه في ديوانِ أعمالِم {وَيُسْئَلُونَ} عنها يومٍ القيامةِ. وقُرِىءَ سيكتُبُ وسنكتبُ بالياءِ والنونِ. وقُريَء شهاداتُهم. وهيَ قولُهم إنَّ لله جزءاً وإن له بناتٍ وأنها الملائكةُ. وقُرِىءَ يُساءلونَ من المساءلةِ للمبالغةِ. {وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم} بيانٌ لفنَ آخرَ من كُفرِهم ، أيْ لو شاءَ عدمَ عبادتِنا للملائكةِ مشيئَةَ ارتضاءٍ ما عبدناهُم أرادُوا بذلكَ بيانَ أنَّ ما فعلُوه حقٌّ مرضيٌّ عندَهُ تعالى وأنَّهم إنَّما يفعلُونه بمشيئتهِ تعالى إياه منهُم مع اعترافِهم بقبحهِ حتى ينتهضَ ذمُّهم به دليلاً للمعتزلةِ ، ومَبْنى كلامِهم الباطلِ على مقدمتينِ: إحداهُما أنَّ عبادتَهُم لهم بمشيئتهِ تعالى ، والثانيةُ أنَّ ذلكَ مستلزمٌ لكونِها مرضيةً عندَهُ تعالَى ولقد أخطأُوا في الثانيةِ حيث جهلُوا أن المشيئةَ عبارةٌ عن ترجيحِ بعضِ الممكناتِ على بعضٍ كائناً ما كانَ من غيرِ اعتبارِ الرَّضا أوالسَّخطِ في شيءٍ من الطرفينِ ولذلكَ جُهِّلُوا بقولِه تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ} أي بما أرادُوا بقولِهم ذلكَ من كونِ ما فعلُوه بمشيئةِ الارتضاءِ لا بمطلقِ المشيئةِ فإنَّ ذلكَ محققٌ ينطقُ بهِ ما لا يُحصَى عن الآياتِ الكريمةِ {مِنْ عِلْمٍ} يستندُ إلى سندٍ مَا {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}