وعن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -: حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال: أقبل عقبة بن أبي معيط، ورسول الله يصلي عند الكعبة، أو لقيه في الطواف، فأخذ بمجامع ردائه - صلى الله عليه وسلم - ، فلوى ثوبه على عنقه وخنقه خنقًا شديدًا، وقال له: أنت الذي تنهانا عما يعبد آباؤُنا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أنا ذاك"، فأقبل أبو بكر - رضي الله عنه - فأخذ بمنكبيه - صلى الله عليه وسلم - والتزمه من ورائه، ودفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} رافعًا صوته، وعيناه تسفحان دمعًا أي: تجريان حتى أرسلوه، أخرج البخاري بمعناه. وفيه بيان أن ما تولى أبو بكر من رسول الله كان أشد مما تولاه الرجل المؤمن من موسى, لأنه كان يظهر إيمانه، وكان بمجمع طغاة قريش، وحكى ابن عطية في"تفسيره"عن أبيه: أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري على المنبر، وقد سئل أن يتكلم في شيء من فضائل الصحابة - رضي الله عنهم - فأطرق قليلًا ثم رفع رأسه، فقال:
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِيْنِهِ ... فَكُلُّ قَرِيْنٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِيْ
ماذا ترون من قوم قرنهم الله تعالى بنبيه، وخصهم بمشاهدته، وتلقى الروح عنه؟ وقد أثنى الله تعالى على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأَسرَّهُ، فجعله في كتابه، وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ! إذ جرد سيفه بمكة وقال: والله لا أعبد الله سرًا بعد اليوم، فكان ما كان من ظهور الدين بسيفه.
والمعنى: أي وقال رجل من آل فرعون بكتم إيمانه منهم، خوفًا على نفسه: أينبغي لكم أن تقتلوا رجلًا ما زاد على أن قال: ربي الله، وقد جاءكم بشواهد دالة على صدقه، ومثل هذه المقالة لا تستدعي قتلًا، ولا تستحق عقوبةً، فاستمع فرعون لكلامه، وأصغى لمقاله، وتوقف عن قتله.