قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: {خالق كُلّ شَيْء} [الأنعام: 102] على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى ، وأطنبنا هناك في الأسئلة والأجوبة ، فلا فائدة ههنا في الإعادة ، إلا أن الكعبي ذكر ههنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها ، فقال إن الله تعالى مدح نفسه بقوله {الله خالق كُلّ شَيْء} وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به ، وأيضاً فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد ، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام ، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه ، وأيضاً لفظة {كُلٌّ} قد لا توجب العموم لقوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْء} [النمل: 23] {تُدَمّرُ كُلَّ شَيْء} [الأحقاف: 25] وأيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما ضافها إليهم بقوله {كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109] ولما صح قوله {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله} [آل عمران: 78] ولما صح قوله {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا} [ص: 27] فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره ، وقال الجبائي: {الله خالق كُلّ شَيْء} سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب ، ولو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم ، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد ، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل ، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجداً له.
واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام ، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب ، والله أعلم.