أما الصِّديق أبو بكر فلما أخبروه أن صاحبك يزعم أنه رسول قال: إنْ كان قال فقد صدق، إذن: كيف صدَّق أبو بكر وهو لم يَرَ من رسول الله معجزةً تدل على رسالته؟
قالوا: ليست المعجزة (عياقة) لا يؤمن الناس إلا بها، إنما المعجزة جُعِلَتْ لمن يكابر في التصديق؛ لذلك جاءت معجزةُ القرآن تحدياً للكافرين والمعاندين المكذِّبين، أما مَنْ آمن برسول الله أولاً فلا يحتاج إلى معجزة، وأيُّ معجزة جعلتْ أبا بكر يؤمن ويُصدِّق برسول الله بهذه السرعة؟
قالوا: لأنه لم يُجرِّب على رسول الله كذباً أبداً قبل ذلك، فإذا كان صادقاً في أموره مع الناس أيكذب على الله؟ إذن: أخذ أبو بكر المعجزة من تاريخه مع رسول الله، وكذلك السيدة خديجة بدليل أنها هي التي شجَّعته وآزرته وقالت:
"والله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتَقْري الضيف، وتحمل الكَلَّ، وتعين على نوائب الدهر"فمعجزة محمد لمَنْ آمن به أولاً تاريخه وسيرته بينهم.
وأنتم تعلمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزيمة الذي يقول فيه:"مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه"ونِصاب الشهادة معروف، فكيف جعل رسول الله خزيمة نِصاباً وحده في الشهادة؟ وبم استحق هذه المنزلة؟
قالوا: لأنه فاز بجدارة في قضية التصديق برسول الله"حينما اقترض رسول الله مبلغاً من المال من يهودي، ثم أدَّاه إليه في موعده، لكن جاء اليهودي يدَّعي أنه لم يأخذ دَيْنه من رسول الله، وذهب إلى رسول الله أمام الناس يقول: يا محمد أو يا أبا القاسم أعْطِني دَيْني، فقال رسول الله: لقد أعطيتُك، فقال: ومَنْ يشهد على ذلك؟ فقام خزيمة وقال: يا رسول الله أشهد أنك أعطيته دَيْنه."
ولأن اليهودي كان كاذباً في ادعائه صدَّق بشهادة خزيمة وقال في نفسه: لعله كان حاضراً ولم أَرَه، لأن اليهودي أخذ دَيْنه من رسول الله ولم يكُنْ أحدٌ موجوداً معهما، عندها خنس اليهودي وانصرف، فاستدعى رسول الله خزيمة، وقال له: يا خزيمة لم يكُنْ معي أحد حين أعطيتُه حقه، فكيف شهدتَ أنك رأيتني أعطيه؟
فضحك خزيمة وقال: يا رسول الله أأصدقك في خبر السماء وأكذبك في عدة دراهم؟ فأعجب رسول الله باستنتاج خزيمة، ورآه اجتهاداً جميلاً، فقال فيه:"مَنْ شَهِدَ له خُزيمةُ فحسْبُه".