والمعنى: أي الله أنزل أحسن الحديث قرآنًا كريمًا يشبه بعضه بعضًا، في الصدق والبيان والوعظ والحكمة، كما تتشابه أجزاء الماء والهواء، وأجزاء النبات والزهر، تثني وتردد قصصه وأنباءه، وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده إذا تليت منه آيات العذاب اقشعرت الجلود، ووجلت القلوب، وإذا تليت آيات الرحمة والوعد لانت الجلود، وسكنت القلوب، واطمأنت النفوس، قال الزجاج: إذا ذكرت آيات العذاب، اقشعرت جلود الخائفين لله، وقال العباس بن عبد المطلب: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من اقشعر جلده من خشية الله، تحاتت عنه ذنوبه، كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها» ، وقال ابن عمر: وقد رأى ساقطا من سماع القرآن فقال: إنا لنخشى الله، وما نسقط هؤلاء يدخل الشيطان في جوف أحدهم، وقالت أسماء بنت أبي بكر: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم عند سماع القرآن، قيل لها: إن قومًا اليوم إذا سمعوا القرآن، خر أحدهم مغشيًا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقال ابن سيرين: بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن، أن يجعل أحدهم على حائط باسطا رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن كله، فإن رمى بنفسه فهو صادق والإشارة في قوله {ذلِكَ} إلى الكتاب الموصوف بتلك الصفات، و {هُدَى اللَّهِ} خبره؛ أي: ذلك الكتاب الذي شرح أحواله هدى الله سبحانه {يَهْدِي بِهِ} ؛ أي: بذلك الكتاب {مَنْ يَشاءُ} أن يهديه من المؤمنين المتقين كما قال: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} لصرف مقدوره إلى الاهتداء، بتأمله فيما في تضاعيفه من الشواهد الخفية، ودلائل كونه من عند الله تعالى، أو إلى ذينك الوصفين من الاقشعرار واللين؛ أي: ذلك المذكور أثر هداية الله تعالى؛ أي: ذلك الخوف من عذاب الله، والرجاء في رحمته علامة هداية الله، وتوفيقه للإيمان.