{ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ} ؛ أي: يخرج بذلك الماء من الأرض، وكلمة {ثُمَّ} للتراخي في الرتبة، أو الزمان {زَرْعًا} ؛ أي: نباتًا {مُخْتَلِفًا} ؛ أي: متنوعًا {أَلْوانُهُ} ؛ أي: صفاته، وكيفياته من الطعوم والروائح، من أصفر وأخضر وأبيض وأحمر وأغبر وأسود، من المر والحالي والطيّب، وغيره، قال في «المفردات» : اللون معروف، وينطوي على الأبيض، والأسود، وغيرهما، وقد يعبر بالألوان عن الأجناس والأنواع؛ أي: مختلفًا أجناسه من بر، وشعير، وأرز، وذرة، أو أنواعه كأنواع الحنطة، والشعير، والذرة. {ثُمَّ يَهِيجُ} ذلك الزرع النابت بالماء، وييبس، يقال: هاج النبت إذا تم جفافه؛ لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور من منبته. {فَتَراهُ} ؛ أي: فتبصر أيها المخاطب ذلك النبت من يبسه {مُصْفَرًّا} بعد خضرته، ونضرته؛ أي: تراه ذا صفرة، والصفرة: لون بين البياض والسواد، كما سيأتي في مبحث اللغة، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ} ؛ أي: يجعل الله سبحانه ذلك النبت اليابس {حُطامًا} ؛ أي: فتاتًا متكسرًا، كأن لم يغن بالأمس، يقال: تحطم العود إذا تفتت من اليبس، ولكون هذه الحالة من الآثار القوية، علّقت بجعل الله تعالى كالإخراج، وعبّر هنا بلفظ {يَجْعَلُهُ} ، وفي الحديد بلفظ (يكون) موافقةً في كل منهما لما قبله، اهـ من «فتح الرحمن» .
وقرأ الجمهور: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ} بالرفع عطفًا على ما قبله، وقرأ أبو بشر: بالنصب بإضمار {أن} ، ولا وجه لذلك.
{إِنَّ فِي ذلِكَ} المذكور مفصلًا {لَذِكْرى} ؛ أي: لتذكيرًا عظيمًا {لِأُولِي الْأَلْبابِ} ؛ أي: لأصحاب العقول الخالصة من شوائب الخلل، وتنبيهًا لهم على حقيقة الحال، يتذكرون بذلك، أن حال الحياة الدنيا في سرعة التقضي والانصرام، كما يشاهدونه من حال الحطام كل عام، فلا يغترون ببهجتها، ولا يفتنون بفتنها.
قال في «كشف الأسرار» : الإشارة في هذه إلى أن الإنسأن يكون طفلًا، ثم شابًا ثم كهلًا، ثم شيخًا ثم يصير إلى أرذل العمر، ثم آخره يحترم، ويقال: إن الزرع ما لم يؤخذ منه الحب الذي هو المقصود منه، لا يكون له قيمة، كذلك الإنسان ما لم يخل من نفسه، لا يكون له قدر ولا قيمة، انتهى.