ولما شرح الله تعالى صفات المشركين والضالين ، ثم تمسكهم بغير الله تعالى أردفه بشرح أحوال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا الله ولا اعتماد لهم إلا على فضل الله ، فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء الليل ساجدا وَقَائِماً} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
قرأ نافع وابن كثير وحمزة {آمن} مخففة الميم والباقون بالتشديد ، أما التخفيف ففيه وجهان الأول: أن الألف ألف الاستفهام داخلة على من ، والجواب محذوف على تقدير كمن ليس كذلك ، وقيل كالذي جعل لله أنداداً فاكتفى بما سبق ذكره والثاني: أن يكون ألف نداء كأنه قيل يا من هو قانت من أهل الجنة ، وأما التشديد فقال الفراء الأصل أم من فأدغمت الميم في الميم وعلى هذا القول هي أم التي في قولك أزيد أفضل أم عمرو.
المسألة الثانية:
القانت القائم بما يجب عليه من الطاعة ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"أفضل الصلاة صلاة القنوت"وهو القيام فيها.
ومنه القنوت في الصبح لأنه يدعو قائماً.
عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام وتلا {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} وعن ابن عباس القنوت طاعة الله ، لقوله: {كُلٌّ لَّهُ قانتون} [البقرة: 116] أي مطيعون ، وعن قتادة {آناء الليل} ساعات الليل أوله ووسطه وآخره ، وفي هذه اللفظة تنبيه على فضل قيام الليل وأنه أرجح من قيام النهار ، ويؤكده وجوه الأول: أن عبادة الليل أستر عن العيون فتكون أبعد عن الرياء الثاني: أن الظلمة تمنع من الإبصار ونوم الخلق يمنع من السماع ، فإذا صار القلب فارغاً عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي ، وهو معرفة الله وخدمته الثالث: أن الليل وقت النوم فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر الرابع: قوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً}