وكان مدار التذكر الذي به الصلاح والفساد هو القلب لأنه مركز العقل الذي هو آلة العلم ، وكان القلب الذي لا يحمل على الصلاح عدماً ، بل العدم خير منه ، قال: {إنما يتذكر} أي تذكراً عظيماً بما أفهمه إظهار التاء فيعلم أن المحسن لا يرضى بالإحسان إلى من يأكل خيره ويعبد غيره {أولوا الألباب} أي العقول الصافية والقلوب النيرة وهم الموصوفون آخر آل عمران بقوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191] إلى آخرها ، وما أحسن التعبير هنا باللب الذي هو خلاصة الشيء لأن السياق للإخلاص ، قال الرازي في اللوامع: قال الإمام محمد بن علي الترمذي: خلق الله تعالى الأشياء مسخرة للآدمي ، وخلق الآدمي للخدمة ، ووضع فيه أنواره ليخرج الخدمة لله تعالى من باطنه بالحاجة ، فالآدمي مندوب إلى العلم بالله تعالى وبأوامره حسب ما خلق له ، والخدمة والقنوت بقلبك بين يديه ماثلاً منتصباً محقاً مبادراً مسارعاً سائقاً مركبك في جميع أمورك بالحب له ، وعلم الخدمة علم البساطين: بساط القدرة وبساط العبودة فإذا طالعت بساط القدرة بعقل وافر وهو أن تعرف نفسك وتركيبك من روحاني وجسماني ، وطالعت بساط العبودة بكياسة تامة أدركت تدبيره في العبودة وباطن أمره ونهيه وعلل التحريم والتحليل ، وبسط الله بساط الربوبية من باب القدرة ، وبسط بساط العبودة من باب العظمة ، ثم كان آخر خلقه سبحانه هذا الإنسان الذي بسط له هذين البساطين ، وجمع فيه العالمين ، وزاد على ما فيهما من قبول الأمر اختياراً وطوعاً ، وكل شيء أعطاك إنما أعطاك لتبرزه إلى جوارحك ، وتستعمله فيما خلق له ، فلو لم يعطك منك لم يطلب منك ، فلا تطلب الزكاة ممن لا مال له ، ولا الصلاة قياماً ممن لا رجل له.