وجميع هذه الآيات تسجل على ضعفاء الإيمان ما هم عليه من تناقض وتذبذب وتردد، وتكشف الستار عن خلجات نفوسهم ونبضات قلوبهم في حالتي اليسر والعسر، والشدة والرخاء، فهم حينما تنزل بساحتهم كارثة من الكوارث، أو داهية من الدواهي، يجزعون ويفزعون، ويحسون من أعماق أعماقهم بما هم عليه من الضعف والعجز والهوان على الله وعلى الناس، ويدركون بغريزتهم الفطرية أنهم لا يستطيعون لما نزل بهم دفعا، وأنه لا خلاص لهم من المحنة، ولا نجاة لهم من الكرب، إلا بالالتجاء إلى الله وحده القاهر فوق عباده، ويجدون أنفسهم مدفوعين بدافع قهري وخفي إلى التمرغ في أعتاب من بيده الملك والملكوت، طارقين بابه بمنتهى الخضوع والخشوع، حتى إذا ما استجاب الله دعاءهم، بواسع رحمته، وجميل لطفه، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ولم يعودوا يتذكرون المحنة التي نكست رؤوسهم، وأثقلت ظهورهم، وأقضت مضاجعهم، وزلزلت كيانهم، بل استأنفوا من جديد كل ما كانوا عليه من التظاهر والتجاهر بالفساد والطغيان، ولجوا في العناد والعدوان، وأقبلوا على ممارسة شهواتهم، والانغماس في لذاتهم، والجري وراء أهوائهم، والتسابق إلى الطاعة العمياء، لمن يشركونهم بالله من السادة
والكبراء، وإن كان في رضاهم سخط الله، وفي الاعتماد عليهم شرك بالله، وذلك كله من أجل متعة مؤقتة مآلها إلى زوال، وفي سبيل منفعة عاجلة نهايتها إلى وبال، وإلى هذا الموقف المزري الذي يقفه ضعفاء الإيمان في وقفتهم الخاسرة، ومقابلتهم لطف الله بالجحود بدلا من الشكر، وبالإساءة بدلا من الإحسان، ينظر قوله تعالى في نفس الموضوع: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} : بينما المتحررون من ربقة الشرك الظاهر والخفي، ومن كل عبودية لغير الله، جاءتهم البشرى من الحق سبحانه وتعالى في قوله: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} .