هذه الآية مسوقة ثبات وحدانية الله وقهره لما سواه، والمراد من تكويره الليل على النهار وعكسه: أن يُذْهِب أحدهما ويأتي بالآخر ليحل محله، وقد عبر عن ذلك بالصورة البلاغية الموجودة في الآية على سبيل الاستعارة، فاطلب شرح ذلك من المطولات إن أردت.
ومعنى الآية: خلق الله هذا العالم المشاهد وغير المشاهد، ملتبسًا بالحق والحكمة والصواب، يغشى الليل مكان النهار، فتحل به الظلمة، فيسكن الناس وينامون ويستريحون من كدِّ النهار، ويغشى النهار مكان الليل، فيحل به النور، فينشط الخلائق ويعملون لما خلقوا من أجله، وسخر الشمس والقمر حيث جعلهما يجريان في مداريهما، فيترتب على تذليلهما وجود النهار تارة، والليل تارة أخرى، والفصول الأربعة: الربيع،
فالصيف، فالخريف، فالشتاء، لمصلحة الإنسان والحيوان والنبات، وهذا الجريان لأجل سماه الله - تعالى - لانتهاء دورة كل منهما في مداره، أو لانقطاع حركته عند فناء العالم، ألا هو العزيز القادر على عقاب المصرين على الكفر والمعاصي، الغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا.
6 - {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} :
وهذا دليل آخر على وحدانية الله وقهره لسواه، وترك عطفه على خلق السماوات والأرض، للإيذان باستقلاله في الدلالة على وجود الله وسائر كمالاته.
والمراد بالنفس الواحدة التي خلقنا منها: نفس آدم - عليه السلام - فقد خلقت منه زوجه، ثم حدث التوالد بعد ذلك على النحو المعلوم، وبدأ بخلق الإنسان؛ لأنه أقرب وأعجب بالنسبة إلى غيره، باعتبار ما فيه من العقل وقبول الأمانة الإلهية وغير ذلك حتى قيل فيه:
وتزعم أنك جسم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر