قوله: (أو عَلَى خَلَقَكُمْ لتفاوت ما بين الآيتين، فإن الأولى عادة مستمرة دون الثانية) أو
على خلقكم عطف عَلَى معنى واحدة فـ [حِينَئِذٍ] كلمة (ثُمَّ) للتراخي الرتبي كما أشار إليه بقوله
لتفاوت ما بين الْآيَتَيْن. قوله فإن الأولى الخ. بيان للتفاوت في الدلالة فيما بعد ثم وهو خلق
حواء من ضلعه أقوى دلالة مما قبلها عَلَى وحدانيته؛ لأنه لم يخلق أنثى غير حواء من قصيرا
رُجل فكانت أدخل في كونها آية. قال المحشي: نقل عن الزَّمَخْشَريّ أنه يجوز أن تخلق من
بعض الضلع، ويجوز أن يفصل منه الضلع ويخلق منه هي ويبدل لآدم مكانه انتهى. وفي
الأول لا بد أن يقال ويبدل لآدم مكانه والإحالة إلَى علم اللطيف الخبير أولى وأسلم.
قوله: (وقيل أخرج من ظهره ذريته كالذر ثم خلق منه حواء) . وقيل أي في بيان وجه
إتيان ثم أخرج من ظهره ذريته كالذر ثم خلق منه الخ. فـ ثم [حِينَئِذٍ] في بابه مرضه. أما أولًا فلأن ما
ذكره ليس بمرضي عند المص، وإنما هُوَ اسْتعَارَة تمثيلية، كَمَا صَرَّحَ به في أواخر الأعراف.
وأما ثانيًا فلأن الظَّاهر أن خلق حواء قبل ذلك الإخراج لو سلم ذلك، وأما ثالثًا فلأن الْمُرَاد
هنا بيان الأدلة الدَّالَّة عَلَى الوحدانية والقدرة الباهرة فلا جرم أن الْمُرَاد بخلق الْإنْسَان ما
ذكره أولًا ويدل عليه أَيْضًا قَوْلُه تَعَالَى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم) الآية. فلا
مساغ لإرادة ما ذكره هنا وإن سلم صحته فـ ثم للتراخي الرتبي وهو هنا الْمَعْطُوف عليه أدنى
مرتبة وهو جائز كعكسه واتفق شراح الكَشَّاف عَلَى جوازه كما قيل.
قوله:(وقضى أو قسم لكم، فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث
كتبت في اللوح)وقضى أي الْإنْزَال مجاز عن القضاء والتقدير أو مجاز عن القسمة. قوله
توصف الخ. شروع في بيان العلاقة. وحاصله أنه أثبت ذلك في اللوح المحفوظ ونزلت به
الْمَلَائكَة الموكلة بإظهاره في العالم السفلي فلذلك وصف ذلك النزول وإن لم يوصف به
حَقيقَة وأنزل اسْتعَارَة تبعية. شبه القضاء بالنزول في الظهور بعد الخفاء أو إيجاد القضايا في
هذا العالم وصنعها فيه بعد إيجاده الْكتَابِيّ في اللوح أشبه لإنزاله منه إليه واحتمال كونه
مَجَازًا مرسلًا ضعيف.
قوله: (أو أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار) فيكون إسناد
الْإنْزَال إلى الأنعام مَجَازًا عقليًا، وهذا الوجه هُوَ الشائع في مثله وإن كان الأول أبلغ
وسبب حياتهما المطر النازل من أسماء. قوله كأشعة الكواكب الخ. لا يظهر وجهه. وفي
الكَشَّاف: وقيل لا تعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء، وقد أنزل الماء فكأنه
أنزلها وهو الظَّاهر فإنزال المطر سبب بعيد لحياة الأنعام فيكون الإسناد إلَى الأنعام
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وقيل أخرج من ظهره ذرية. هذا تأويل آخر لصرف كلمة (ثُمَّ) عَلَى حقيقتها في التراخي
الزماني فـ [حِينَئِذٍ] الْمُرَاد من قوله: (خلقكم من نفس واحدة) إخراج الذرية من ظهره فيكون
من عطف الْجُمْلَة عَلَى الجملة والتأويل الأول أبعد من التعسف وأولى عَلَى ما لا يخفى عَلَى ذي
درية بالأساليب.