أي: أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار.
ثم أثنى عليهم - سبحانه - بثناء آخر فقال: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ.
أي: وإن هؤلاء العباد، لهم عندنا ممن اصطفيناهم لحمل رسالتنا، واخترناهم لتبليغ دعوتنا. ومن العباد الأخيار. أي: الذين يفضلون على غيرهم في المناقب الحميدة، والصفات الكريمة. جمع خير - بإسكان الياء - أفعل تفضيل.
ثم أثنى - سبحانه - على عدد آخر من عباده الصالحين فقال: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ.
وإسماعيل هو ابن إبراهيم - عليهما السلام - ، ولم يذكر فيما سبق مع أبيه ومع أخيه إسحاق، ومع ابن أخيه يعقوب، اعتناء بشأنه، وللإشارة إلى عراقته في الصبر وفي تحمل الشدائد.
واليسع: هو ابن شافاط أو أخطوب: قيل استخلفه إلياس من بعده على بني إسرائيل، ثم منحه الله - تعالى - النبوة. وكانت وفاته في حوالى سنة 840 ق. م ودفن بالسامرة.
وذا الكفل: هو ابن أيوب. بعثه الله - تعالى - بعد أبيه، وكان مقيما بالشام. والأكثرون على أنه نبي لذكره معهم.
وقيل هو رجل صالح من بني إسرائيل. ولم يكن نبيا، وسمى بذلك لأنه تكفل لأحد أنبيائهم بالقيام بالطاعات فوفى بذلك.
والتنوين في قوله - تعالى -: وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ عوض عن المضاف إليه. أي:
وكل هؤلاء العباد الذين ذكرناهم، من أهل الخير والفضل والصلاح والصبر على الأذى.
ثم عقبت السورة الكريمة على ذلك، بعقد مقارنة بين عاقبة المؤمنين الصادقين، وعاقبة الكافرين الجاحدين، وذكرت جانبا مما يدور بين أهل النار من مجادلات .. فقال - تعالى -:
[سورة ص (38) : الآيات 49 إلى 64]
(هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ(49)
قال الآلوسي: «هذا» إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم «ذكر» أي:
شرف لهم ... والمراد أن في ذكر قصصهم ... شرف عظيم لهم.
أو المعنى: هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذي هو القرآن، وذكر ذلك للانتقال من نوع من الكلام إلى آخر، كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب، ثم يشرع في باب آخر.