ظاهر الإنزال هو أن ينزل من علو مرتفع إلى تسفل ومنحدر، لكن اللغة لا تمتنع عن استعمال لفظ الإنزال لا على حقيقة الإنزال من علو إلى سفل، يقال: نزل فلان بأرض أو بمكان كذا وإن لم يكن هناك منه نزول من علو إلى منحدر وسفل، فعلى ذلك هذا، وأصله أن كل حرف من حروف الإنزال وغيره مما أضيف إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - مما يستقيم صرفه إلى خلقه أن المراد منه خلقه؛ نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) ، (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) ، وغير ذلك مما يكثر ذكره فهو خلقه إياه؛ فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ) ، أي: خلق لكم من الأنعام ما ذكر على ما ذكر: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) ، أي: خلق لكم ما ذكر، فعلى ذلك حرف الإنزال، واللَّه أعلم.
ثم ظاهر قوله: (مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) يجيء أن يكون على أحد وجوه ثلاثة:
إما ألا يسمي الأنعام ولا يكون إلا الثمانية الأزواج التي ذكر أنه خلقها لنا، فإن كان على هذا فيكون حرف (مِن) هاهنا صلة، كأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -:"وأنزل لكم أنعامًا وهي ثمانية أزواج".
أو أن يسمي كل ما خلق من الدواب: أنعامًا، إلا أنه لم يحل لنا منها إلا الثمانية الأزواج التي ذكر، فإن كان هذا فيكون حرف (مِن) حرف تبعيض وتجزئة.
أو أن يسمي كل الدواب: أنعامًا إلا أنه لم يحل لنا كل شيء منها من جميع أنواع الانتفاع بها من الأزواج التي ذكر، فإنه قد أحل لنا كل شيء من هذه الأصناف الثمانية من لحومها وألبانها وأصوافها وكل شيء منها، وأما ما سوى ذلك من الأنعام، فإنه لم يحل لنا كل شيء منها من اللحوم وغيرها، ولكن أحل لنا الانتفاع بظهورها من نحو الحمير والبغال وغير ذلك مما يشتهى، واللَّه أعلم.