والثاني: مبنى الاتخاذ راجع إلى البنين إذ كانت الكفرة ينسبون الملائكة إلى أنهم بناته؛ لما عرفوا من كرامتهم على اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وقربتهم عنده، وينسبونه إلى أنهم بناته، وإِلَى أن عيسى ابنه، وإنما يتخذ الأولاد ويتبنى ليستنصروا بهم، فبرأ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نفسه على احتمال الشكل وخوف الغلبة، فقال: (سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) .
وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) دفع ما قالوا فيه وإحالة ذلك؛ لما أخبر أنه واحد في الذات، ولو كان كما ذكر هَؤُلَاءِ من الولد، لم يكن واحدًا في الذات؛ إذ كل محتمل الولد منه هو من شكل الولد، فإذا عرفهم أنه واحد في الذات لم يحتمل الولد وما ذكروا.
وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْقَهَّارُ) دلالة إحالة ذلك؛ لأنه أخبر أنه قهار، والولد في الشاهد إنما يتخذ لأحد وجوه:
إما لوحشة أصابته فيستأنس به.
وإمَّا لحاجة تمسه فيدفع بالولد ذلك.
وإمَّا لغلبة شهوة فيقضيها فيتولد من ذلك الولد.
وإمَّا لوراثة ملكه بعد موته، وهو دائم باق لا يزول ملكه أبدًا.
وإمَّا للاستعانة والنصرة على أعدائه.
لأحد هذه الوجوه التي ذكرنا يحتاج المرء إلى اتخاذ الولد، واللَّه قادر بذاته قاهر غني لا يحتمل ما ذكروا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ(5)
يحتمل قوله: (بِالْحَقِّ) ، أي: بالحق الذي لله عليهم، ولما لبعض على بعض من الحق.